سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

أكثر من مذكرة تفاهمٍ

رامان آزاد –

لا مزيد من الوقتِ للرهان عليه، فالأزمة السوريّة استنفدت كلّ فرص المماطلة والتسويف أمام الحلّ السياسيّ، وما جرى في موسكو، هو اختبارٌ لجديّةِ كلِّ طرفٍ للمساهمةِ في إنهاء معاناةِ السوريين اعتباراً من الإرهابِ والاحتلالِ التركيّ وانتهاءِ بالأزمة الاقتصاديّة وتحسينِ الوضعِ المعيشيّ وتجاوز العقوباتِ ووصولاً إلى عودة اللاجئين والبدء بإعادة الإعمار.
تغييرٌ بالأسلوبِ وليس التموضع
في 31/8/2020 تمَّ في موسكو التوقيع على مذكرة التفاهمِ بين مجلس سوريا الديمقراطيّة “مسد” وحزب الإدارة الشعبيّة، وجرى الاتفاقُ برعاية روسيّة ليمثّلَ لدرجةٍ ما الرؤيةَ الروسيّة للحلِّ السياسيّ للأزمة السوريّة. مجلس سوريا الديمقراطيّة ليس حزباً سياسيّاً صرفاً، بل حالةُ توافقٍ مجتمعيّةٍ تجسدُ رؤيةً سياسيّة للحلِّ السياسيّ وفق نموذجه اللامركزيّ، مطروحةٌ للحوار، ولديه قاعدته الشعبيّة العريضة من شعوب مختلفة، وكذلك قواتٌ عسكريّة باسم قوات سوريا الديمقراطيّة، فيما الإرادةُ الشعبيّةُ حزبٌ سياسيّ لا يتمتعُ بقاعدةٍ جماهيريّةٍ كبيرةٍ في سوريا، ومعارضو مشروع الإدارة الذاتيّة ينقسمون لتيارين رئيسيين المتمسكون بالنظام المركزيّ ورافضو التعدديّة، والإخوان المسلمون المنسجمون مع موقفِ أنقرة.
يمكنُ وصف مذكرة التفاهم باتفاقِ “الضرورة” لهذه المرحلةِ، بين طرفٍ كان حاضراً طيلةَ الأزمة وتحمّل أكلافاً كبيرةً وقدم أكثر من 11500 شهيداً في معارك دحر الإرهاب، وخاض الحرب المفروضة عليه من أنقرة، وتشنُّ ضده حملة إعلاميّة كبيرة، وطرفٍ اعتمد التقنين الإعلاميّ ونأى بنفسه عن كثيرٍ من السجالِ.
الإدارة الذاتيّة من جهتها بحاجة لتغيير أساليبها السياسيّة، مع انسداد قناة الحوار مع دمشق بشكلٍ كاملٍ، ودعمها العلنيّ لبعض العشائر العربيّة، وتبني شعار المقاومة الشعبية وقسوة الخطاب الإعلاميّ. وجاء التوقيع على مذكرةِ التفاهم بين مجلس سوريا الديمقراطيّة وحزب الإرادة الشعبيّة، تغييراً في أسلوبِ العمل السياسيّ، للمرحلة القادمة دون تغيير التموضعِ السياسيّ.
موسكو ومرحلة تظهير الأوراق
موسكو كعادتها كلما أرادت الضغط على أنقرة، تُبدي موقفاً إيجابيّاً تجاه الكرد أو الإدارة الذاتيّة، وتتحدثُ عن إشراكهم بالحوارِ والعمليّة السياسيّة، إلا أنّها لم تثبت جديتها، إذ سرعان ما تصلُ الرسالةُ إلى أنقرة فيبادرُ أردوغان إلى موسكو أو يُوفد أحد مسؤوليه، وتنتهي مفاعيل موقفها.
لا ترغب موسكو بانفراد الأمريكيّ بالعلاقةِ مع الإدارةِ الذاتيّة، وعينُها على شمال وشرق سوريا، وبالتالي؛ فإنّ مذكرة التفاهم تأكيداً لحصريّة تحكمِ موسكو بإدارةِ مسارِ الحلّ السياسيّ، وبالوقت نفسه محاولةٌ روسيّة لاستيعابِ كرد سوريا. وبمراجعةِ تفاصيل العدوانِ التركيّ على شمال سوريا في 9/10/2019 نجدُ أنَّ العملية التركيّة أفضت لوجودٍ عسكريّ روسيّ – سوريّ على الحدودِ بدون خوضِ أيّ معارك، مقابل إخلاء القوات الأمريكيّة لبعضِ المواقعِ، فيما كانت جهود موسكو محدودةً في محاربةِ داعش بالمنطقةِ.
يبدو أنّ موسكو بصدد مرحلة تظهير أوراقها، حول سوريا؛ لأنّ حزب الإرادة الشعبيّة، يُعتبر واجهةَ منصة موسكو، ورغم أنه لا يتمتع بثقلٍ جماهيريّ، إلا أنه يحظى بدعمها، وقد أبدى الحزب موقفاً معارضاً، دون أن يتوافقَ مع دمشق مباشرةً، فيما كان بعيداً عن توجهاتِ الائتلاف.
موسكو في هذه المرحلة أوفدت عميدَ الدبلوماسيّة الروسيّة سيرغي لافروف بعد انقطاع لثماني سنواتٍ، وسبقه قبل يوم وفد اقتصاديّ برئاسة نائب رئيس الحكومة يوري بوريسوف وجرى الحديثُ عن العقوباتِ وعقدِ اتفاقاتٍ اقتصاديّة وإعادةِ الإعمار. ويُفهم من زيارة لافروف بهذا التوقيت أنّها بصددِ إطلاعِ دمشق على جملةِ متغيراتٍ قادمةٍ، تبدأ بمذكرةِ التفاهمِ وتصوراتِ الحلِّ السياسيّ والشراكة في اللجنة الدستوريّة، وملف إدلب أيضاً.
أنقرة تعترضُ
تسعى أنقرة لإطالة احتلالها للمناطق السوريّة، وجعلِ الكردِ قربانَ التوافقِ وعقدِ صفقةً على حسابهم. ولذلك؛ تتمسكُ بملفِ المسلحين، لتكونَ صيغةُ المبادلةِ من قبيلِ (الكرد مقابل المسلحين)، جسرَ العبورِ لترميمِ علاقتها مع دمشق عند الضرورةِ، مع ضماناتٍ لمصالحها في سوريا.
أبدت أنقرة موقف الانزعاج عندما استقبلت موسكو وفد مجلس سوريا الديمقراطيّة؛ لأنّها وجدت أنّ مسارَ موسكو يُفشِلُ الصفقةَ التي تتطلع إليها، وأصدرت الخارجية التركيّة بياناً أعربت فيه عن قلقها من استقبال وزير الخارجية الروسي لوفد مجلس سوريا الديمقراطيّة. وقال البيان: “نتوقع من الاتحاد الروسيّ أن يتصرف وفقاً لروح أستانة (حول سوريا)، والالتزاماتِ التي تمَّ التعهدُ بها في اجتماعاتِ المسار”، وهذا يشيرُ إلى صيغةِ توافقٍ (روسيّ – تركيّ – إيرانيّ) غير معلنةٍ إزاءَ الإدارة الذاتيّة. وأوفدت أنقرة نائب وزير الخارجيّة سادات أونال، لينقلَ اعتراضَ أنقرة. إذ؛ تعتبرُ نفسها مرجعيّة أيّ صيغةٍ سياسيّةٍ تتعلقُ بسوريا.
ورغم تأكيد المذكرةِ على ثلاثيّة المبادئ وحدة سوريا والشعب السوريّ والحوار السياسيّ، إلا أنّ دمشق لم توافق عليها.
الهواجسُ مقابل المخاوف
وفيما يتهم معظم السوريين صيغة التعدديّة والإدارة الذاتيّة بأنها مشروع انفصاليّ، فإن الكرد يتمسكون بها، لأنّهم يعتقدون أنّ صيغة أخرى تنطوي على تهميشهم وإقصائهم، وإذا كان لدى الآخرين هواجسهم الأمنية الافتراضيّة، فإنّ الكرد يعيشون مخاوف حقيقيّة وجوديّة، في كل الدول التي يعيشون فيها. وما جرى خلال الأزمة السوريّة يعزز تلك المخاوف لأقصى درجة. وبمراجعةٍ عامةٍ لسنواتِ الأزمةِ العشرة، سنجدُ أنّ كلّ الأطراف وقفت ضد الكرد وحاربتهم، داعش والنصرة وميليشيات الجيش الوطنيّ وقدمت لهم أنقرة كلّ الدعم، فيما تشنّ دمشق اليوم حملة إعلاميّة غير مسبوقةٍ وتوجّه لهم اتهاماتِ العمالةِ والخيانةِ.
شيزوفرينيا الائتلاف
من تسمّي نفسها المعارضة السوريّة، عارضت كما هو متوقع الاتفاق، ليس لأنّها قرأت المذكرة بتمعنٍ ولها انتقادات عليها، بل لأنّها تعارض كلّ مسعىً سوريّ، ولأنّ أنقرة عارضته، والواقع أنّ مسمّى المعارضة ينطوي على تجاوزٍ، فالتوجّه الإخوانيّ الذي تدعمه أنقرة يهيمنُ عليها بالمطلق. وهي بشقها العسكريّ تحاربُ في سوريا وليبيا واليمن وربما في أماكن أخرى ضمن توجّهات الحكومة التركيّة، ولا رؤية سوريّة لديها، فيما يمارسُ مسلحوها البلطجة فقط.
الانفصال ومصلحة الشعب السوريّ عناوين الأسطوانة المشروخة، التي صدّع الائتلاف الرؤوس بها، متجاهلاً الواقع في المناطق التي تحتلها تركيا! وقال نصر الحريريّ، رئيس ما يسمّى “الائتلاف الوطنيّ لقوى الثورة والمعارضة السوريّة”، في تصريح للأناضول الأربعاء: “نرفضُ أيّ اتفاق سياسيّ مع أيّ تنظيم إرهابيّ”. وقال عنه: “أمر مرفوض تماماً”. وكرر الحريريّ تصريحات المسؤولين الأتراك، فقال: “لا يمكن إجراء أيّ تفاهمات إلا في إطار إنهاء الدور الإرهابيّ لهذه المليشيات الانفصاليّة”، واعتبر أن “كلّ من يمدُّ يده للتواصل مع هذه المليشيات وقياداتها، يضعُ نفسه في صفها، ويتسببُ بنسفِ الجهودِ الدوليّة الرامية للحفاظ على وحدة سوريا، وفتح الباب أمام تكريس أمر واقع مشوّه، في إجراء لن يكونّ له أيّ محل في الإطار الرامي لإيجاد حل سياسيّ في سوريا”.
وفي حديث فضفاضٍ ملغزٍ قال رئيس ما يسمّى “الحكومة السوريّة المؤقتة” عبد الرحمن مصطفى: “موقفنا حول هذا الاتفاق يتضمن نقاطاً عديدة، أولها حول الأطراف المتفقة، وثانيها حول الجهة الوسيطة والراعية، وثالثها حول المضمون”. وأعرب عن استنكاره للاتفاق “جملة وتفصيلاً”، محذّراً من أن “هذه الأجندة الخارجيّة روسيّة الطابع، لن تدعم سلاماً مستداماً في سوريا، ولا تلبي طموحات الشعب السوريّ الذي يحدده بنفسه”. وأضاف أنّه يمثل كذلك “رؤية روسيا عبر مسودة دستورها المسرب سابقاً لجهة فدرلة سوريا إلى دويلاتٍ أو ولايات، وتفكيك السلطات التشريعيّة، والقضائيّة، والتنفيذيّة، وأكد مصطفى، أنَّ الاتفاق وأطرافه ومضامينه “لن يشكّلُ أثراً في المسارِ السوريّ”. وأنّ السبب الرئيس لذلك “هو أنّ الاتفاقَ لا يتلاقى مع مصالح الشعب السوريّ وطموحاته، وأهداف ثورته التي بذل لها الدماء والغالي والنفيس”.
ثمّة حالة من الانفصام لدى المعارضة، عندما تتحدث عن الثورة ووحدة سوريا وتتهم الآخرين بالانفصال، فيما واقع المناطق المحتلة التي تسميها يسقط كلَّ ادعاءاتها. ولا يمكن للائتلاف السوريّ أنّ ثبت امتلاكه لأيّ مشروعٍ وطنيّ سوريّ ولو بأدنى الدرجات، ومهمته ترويج المشروع التركيّ سوريّاً. وهو يتجاهلُ الائتلاف عن أيّ انتهاكات في المناطق المحتلة، بل يسميها زوراً بالمناطق المحررة، وأنّ الاحتلالَ سبيلُ انتصار “الثورة” و”إسقاط النظام”، وكل تصريحاته مجرد ترجمة عن وكالة الأناضول التركيّة.
يطالب نصر الحريريّ رئيس الائتلاف بإخراج الإدارة الذاتيّة من المنطقة وأن تُدار المنطقة من قبل مجالس محليّة يشرفُ عليها الائتلاف السوريّ المعارض. وأشار إلى أنّ “الحكومة السوريّة المؤقتة” والدائرة الخاصة بالجزيرة والفرات بالائتلاف الوطنيّ لديه مشاريع ودراسات جاهزة لتسلم إدارة المنطقة وتكوين مجلسٍ محليّ جديد فيها من أهلها، وإدارة مواردها بما فيه خير وصالح الجميع”، وحذّر الحريري من أن التواني بهذا الأمر الخطير يجرّ المنطقة نحو السيناريو الأسوأ.
باختصار الائتلاف يطالبُ بتوسيعِ الاحتلالِ التركيّ، ولو راجعنا واقع المناطق التي يزعم الائتلاف وجوده فيها (جرابلس والباب وعفرين وتل أبيض ورأس العين) وما يجري فيها من انتهاكات وجرائم قتل وسلب ونهب واختطاف، يُطرحُ السؤال هل واقع هذه المناطق يستحقُّ التعميم؟ هل يوجد أسوأ من هذا الواقع؟ وأيّ جاهزيّة يتحدثُ الحريريّ وأيّ مشروعٍ عدا الاحتلالِ التركيّ؟ وأما دعوةُ نصر الحريريّ للجامعة العربيّة للانعقاد، فلا تستحق عناء المناقشة.
المسلحون والخشية من المعبر الإلزاميّ
الائتلافُ السوريّ وكلّ الميليشياتِ المسلحةِ، بعيدون عن قراءةِ متغيراتِ المشهدِ السياسيّ، ويعوّلون على دورِ أنقرة، ولا يحسبون ليومٍ تعقدُ فيه أنقرة تسويّةً على حسابهم برعاية روسيّة، والعقبة هي إدلب لأنّ المسألة تتعلقُ بالمرتزقة الأجانب من الشيشان والداغستان والطاجيك والتركستان والعرب؛ لأنّهم يشكّلون ملفاً يتعلق بالتهديد الإرهابيّ، وأما السوريون فسيكونون أمام معبر إلزاميّ عنوانه دمشق، وهذا ما يخشونه، ولذلك فهم مستعدون للحرب من أجلِ أنقرة في كلّ مكانٍ.
ماذا قدمت أنقرة للسوريين؟ مجرد جيوب حُشرت الفصائل المسلحة فيها وتعطيل مسار الحل السياسيّ. ومن لاذ بها كان ولاؤه لتركيا يغلب على ولائه لسوريا، والصحيح أنَّ إسطنبول لا تصلح أن تكونَ مركزاً لمعارضةٍ وطنيّة سوريّة بسبب معطيات تاريخيّة وحقائق راهنة. ولم يثبت وجودُ مشروعٍ وطنيّ للحلِّ السياسيّ لدى الائتلاف، فكان مجرد أداةٍ لمشروعِ تركيّ ذي صبغةٍ دينيّةٍ متطرفةٍ ممتزج بقوميّة عنصريّة. ولنفهم سببَ دفع أنقرة الأزمة السوريّة لتغرقَ في المذهبيّة.
اليوم أنقرة تنقل قواتها إلى حدود اليونان بزعم المواجهة مع مزيدِ من التصعيدِ الإعلاميّ إلا أنها تقصد دفعها للتفاوضِ والقبولِ بصيغةِ محاصصةٍ بعد اتفاقاتِ اليونان بترسيم الحدود البحريّة مع إيطاليا ومصر، وبعد الدعم الفرنسيّ وتسيير حاملة الطائرات شارل ديغول، وبكل الأحوال، الحرب ليست في صالحِ أنقرة إن اندلعت. فاليونان ليست عفرين أو جرابلس، وشعبها ليسوا كرداً لتصمت دول أوروبا!
درسٌ بالمنهاجِ الدراسيّ الفرنسيّ ونقيقُ الضفادعِ
على خلفيّة وضعِ درسٍ في المنهاجِ المدرسيّ المعتمد رسميّاً من الحكومةِ الفرنسيّة، يمكنُ قولُ الكثير. وربما يقفزُ ضفدعٌ متثاقفٌ من بركةِ النظرياتِ الآسنةِ بمرورِ الزمنِ، ويصدّع رأسنا بالأسطوانةِ المشروخةِ أنّ فرنسا دولة استعماريّة ولها مصالح بالمنطقة وبقية الحكاية معروفة، وقد نسمع نقيقاً آخر حول الوطنيّة بمعايير عنصريّة وثالث ينقُّ بلغةِ التكفيرِ ويستخدم تعابير الدين من قبيل الردة والإلحاد، وبالنتيجة تقفز الضفادعُ فوق الحقيقة.
المسألة لا تتعلق بفرنسا، بل بالحقيقةِ الدامغة، ولنسأل مباشرة من غير مداورةٍ، ماذا حققت “الثورة السوريّة” التي يتحدثون عنها طيلة عشر سنوات؟ والجواب ببساطة أعمال الخطف والفديات وقطع الطرقات والسلب والنهب والاستيلاء على ممتلكات الناس بالقوة، وأصبح مسلحوها أداة تركية تزجُّ بهم في حروبها فاحتلت بهم عفرين وتل أبيض ورأس العين ومن ثم نقلت الآلاف منهم إلى ليبيا… هل يمكن تسمية هذه الأفعال إنجازاتٍ ثوريّة؟
الثورة استهلكت نفسها مبكراً جداً، وأولى مظاهر السلب بدأت بوضع الحواجز وقطع الطرقات وفرض إتاوات العبور وعمليات الخطف على الطرق العامة، واعتباراً من تموز 2011 نشطت هذه الأعمال، وكانت أحد مصادر التمويل، وتم تحصيل ملايين الدولارات، وهي مستمرة حتى اليوم في كل المناطق التي تحتلها تركيا.
سرديّة الثورة التي تتمحور حول المظلوميّة المذهبيّة، باتت مستهلكة، وهي بالأصل لا تصلح شعاراً، وفاقدة الصلاحيّة في بلد تعدديّ بطبيعته، ولكنها كانت منذ البداية بوابة عبور تركيا إلى سوريا، وإذا كانت الأكثريّة المذهبية مظلومة فما هي حال الشعوب الأقل عدداً؟
الدرس الذي اعتمدته الحكومة الفرنسيّة ليس مجرد حكاية لتسلية الأطفال، بل خُصص للمرحلة الثانوية، وهو موقفٌ رسميّ تريد باريس ترسيخه في الوعي المجتمعيّ، بالتعريفِ بالكرد وأنّهم أكبر شعبٍ بالعالم بلا دولةٍ، فيما تصرُّ دولُ المنطقةِ على إنكارِ وجودهم، وفيما يشيد الدرس بمناقبية الكرد وبسالتهم في محاربةِ إرهابِ داعش، نجد السوريين يتهمون الكردَ بالانفصالِ والعمالةِ وحتى الإرهاب، ترى ماذا تقول أنقرة عن الكردِ؟ أليس الكلام نفسه؟
الاحتلالُ مرفوضٌ بالفطرة، وعندما احتلت فرنسا سوريا قاومها السوريون، ولم يشفع لها بناءُ عشراتِ المؤسساتِ والعمران، فيما الثورجي السوريّ، استهدف المؤسساتِ الخدميّةَ والمرافق وزعم أن تعطيلَ المؤسسات سيسقط النظام، والمستعمر بنى والثورجي خّرب ودمّر…
نقيقُ الضفادعِ لن ينتهيَ، وسيستمرُّ. ولكن؛ ماذا لو جفّتِ البحيرةُ؟ ستتبخرُ الشعاراتُ حينها، وتنتقلُ الضفادعُ إلى بركةٍ جديدةٍ، وتنقُّ بصورةٍ مختلفةٍ.
بالمجمل ما حدث في موسكو يؤكد انسجامَ مجلس سوريا الديمقراطيّة مع سياستها في الانفتاح على كلِّ خطوة للتوافق والحوار الوطنيّ لحلِّ الأزمة، فيما يضعُ كلَّ الأطراف أمام الاختبار اعتباراً من موسكو نفسها، التي تملك القدرة على القيام بدورٍ متوافقٍ مع حجمها، فهل قلبت موسكو الساعة الرمليّة للحلِّ ليبدأ العدِّ التنازليّ؟ أم تنتظر مستجدات ميدانيّة ونتائج الانتخابات الأمريكيّة وتضيع فرصة استثمار الموقف الأوروبيّ لصالحها؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.