سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

القراءة الموؤُدة

هيفيدار خالد –

شغفُ القراءةِ والمطالعة اصطحبني منذ صغري. فحكايتي مع القراءة والمطالعة بدأت بقراءةِ قصصِ الأطفالِ والمجلات المنوّعةِ التي كنتُ أحصل عليها أيام الدارسة من أصدقائي، كما هيمنت على تفكيري عادة الحصول على الكتب من مكتبة المدرسة. حيث كنتُ استعيرُ الكتب والروايات من المكتبةِ في نهايةِ كلِّ أسبوع، إذ أنّ المطالعة هي هوايتي المفضلة.
وبالطبع فالحصولُ على الكتبِ والقصصِ والروايات في ذلكَ الوقتِ وقراءتها في أسرع وقتٍ ممكن كان أمراً ممتعاً جداً بالنسبةِ ليّ، وكأنّني أحصلُ على كنزٍ ثمين كما لو كان مفقوداً. جميعُ هذهِ الطّرقِ التي كنتُ أحصلُ فيها على الكتبِ، كانت طرقاً مشروعة، لأنّني كنتُ أطلبها من أمينِ المكتبة في مدرستي، وبعدَ الانتهاء من قراءتها كنتُ أعيدها فوراً لصاحبها إدراكاً مني لأهميتها.
لكن بعدَ أنْ ازدادَ شغفُ القراءةِ لديّ أكثر من ذي قبل، لم تَعد الوسائلُ والطرقُ المشروعة في الحصول على الكتب تروي ظمأي للمطالعة. لذا بدأت بالبحثِ عن طرقٍ غير مشروعةٍ لنيلِ عددٍ أكبر من الكتب، فسرقةُ الكتبِ من مكاتبِ الأقاربِ والأصدقاء وحتّى المكتبات الخاصّة والعامّة والمعارضِ المدرسيّة كانت مهمّة ومغامرة صعبة وجميلة في نفس الوقت بالنسبةِ لي.   نعم قبلَ سنواتٍ من الآن كانت سرقةُ الكتب مهمّةً ممتعةً بالنسبةِ للكثير مِنّا والحصولِ عليها بطرقٍ غير شرعيّة كانَ إنجازاً عظيماً أيضاً. فكنّا قد تحوّلنا في وقتٍ من الأوقات إلى لصوص كتب، خاصّةً لدى أولئك الأشخاص الذين لا يمتلكون المال الكافي لشراءِ كتابٍ واحدٍ خلال سنة. حيثُ كانَ سارقوا الكتب والروايات يشكّلون جزءاً كبيراً من المجتمع، وكنت واحدةً من هؤلاء، لكن اليوم لم نعد نراهم في محطينا، فعندما ندخل في مكتبةٍ أو مستودعٍ للكتب نكتفي بالنظرِ إليها وكأنّها وُضعَت لتُستخدم كلوحاتٍ للنظر فقط.
كما أنّنا نستطيع القول بأنّ ظاهرةَ القراءةِ والمطالعة اندثرت في الكثير من المجتمعات وخاصة
في الفترة الأخيرة، حيث لا نكاد نرى الكثير من الذين يهتمّونَ بالقراءةِ والمطالعةِ من أجل تثقيف أنفسهم تاريخياً واجتماعياً وحياتياً، في ظل عصر أصبح فيه من السهل جداً الحصول على الكتب التي نريد قراءتها أو مطالعتها من خلال محرك غوغل العالميّ الذي نستطيعُ من خلالهِ الوصول على الموضوعِ والرواية التي نريدها.
وفي القديم كانَ الكثيرُ من الناس على درايةٍ بالكثيرِ من الأمورِ التي هو بحاجة إليها على الأقلّ في حياته اليوميّة. لكنّنا اليوم وبعد أن دخلنا في عصر التكنولوجيا والانتشار الواسع لوسائلِ ومنصّات التواصل الاجتماعي، جُرِّدَ الإنسان من كل شيء جميلٍ حتى حب المطالعة الذي كان في قلوب الكثيرين. ومع كل التغيرات إلا أنّني ما زالت أحملُ ذاتَ الولعِ الذي اصطحبني وأنا صغيرة وما زلت أمتلك نفس المشاعر التي كنت أعيشها أثناء حصولي على كتابٍ من أحدِ الأصدقاء أو سرقته من زملائي. حبُّ القراءة والمطالعة يعلّم الإنسان الكثير من الأمور الملفتة للنظر. يعلّمه الصبر والتركيز وتقوية الذاكرة وحبّ المعرفة ويبعث فيهِ طاقةً إيجابيّةً تجعله يحبّ الحياة ويستمر فيها بشغفٍ أكبر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.