سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

اعتذر يا بني

أزهر أحمد –
يهرول تارة, ويمشي تارة أخرى، يضحك, يبكي، يبتسم، ينزعج …. يكلم نفسه تارة، ويوقف المارة يخاطبهم، وأسمال ثوبه تلوح في الهواء، رياح الشتاء تكشف خفايا جروح في جسده, كأنه لوحة نقش عليها تاريخ البؤساء.
شدني الفضول للاقتراب منه محاولاً مساعدته، حاولت أن أعطيه قطعة نقدية, في خطوة أصبحت عادة في شوارع مدينتي الحزينة، احمرَّ وجههُ الكئيب، وبدأ يكتم أنفاسه تارة ويتنفَّس الصعداء تارة أخرى وعلامات الانزعاج تختلط بالخجل؛ أدار ظهره وتركني وعيناه تشعان بنظرات استحقار، استغربت موقفه وتابعته وهو يبتعد، حاولت الاعتذار عن خطئي دون جدوى.
تمدد على جانب الطريق متوسداً الرصيف، كان يرمقني عن بعد بحقد واضح، قصدته من جديد جلست بالقرب منه، قدمت له زجاجة عصير؛ كنت أحملها في جعبتي قاصداً بها أولادي …بعد وقفة مطولة أخذ من يدي تلك الزجاجة ولم ينطق بكلمة.
مرّ بي أحد المعارف، طلب مني مرافقته؛ وسرت معه، حدثني عن الرجل بما يشبه الخيال؛ قال: لم يكن الرجل مجنوناً قط، كان معلماً معطاءً متفوقاً في عمله صاحب وجدان وضمير، جميع طلابه كانوا من المتفوقين، قضى ثلاثين عاماً من عمره يعلم في مدارس الشمال السوري، وعند انطلاق ثورة روج آفا وإدراج اللغة الكردية والمنهاج الكردي في التعليم عاد أولاده (بشار وبشرى) فرحين إلى المنزل، وهما يحملان في أيديهما كتباً مكتوبة بالكردية، كنت آنذاك في بيتهم، حين خاطب الأولاد والديهم: أبي…أمي؛ سنتعلم اللغة الكردية، انظروا إلى هذه الصور، أليست هذه صورة أدوات جدي وحيواناته وصورة بستانه، يا لها من كتب رائعة…سنتعلم لغتنا سنتعلم الكردية.
انزعجت الأم وغضب الأب، صرخا بالطفلين: ماذا تقولان؛ تتعلمون الكردية! ستتعلمون الكردية؟ وكررا الكلمة مراراً ما زلت اتذكرها، وما زالت كلمات «ابو بشار» تتردد في أذني «سأنقلكم إلى مدرسة في المربع الأمني، انتظروا غداً.
في اليوم التالي اصطحب الوالد الطفلين إلى مدرسة في الحي المجاور، تركهم وعاد إلى المنزل.
فكان كل شيء غريباً للطفلين الوجوه غريبة المعلمين غرباء الصفوف غريبة، وبعد انتهاء الدوام وفي طريق العودة إلى المنزل كضائعين، صدمهم سائق أرعن بسيارته، وبعد علاج لعدة أشهر كانا مقعدين دون حراك، وكلما سنحت الفرصة وكان لهما أن يبوحا بهمهم همساً بعتب: لماذا نقلتنا لتلك المدرسة يا أبي، ألم يكن لنا أسماء تليق بنا، أما كان لنا عظماء ومؤرخون وشعراء، اما كان لنا جبال وأبطال وشهداء نتسمى بأسمائهم.
هذا حال الطفلين، وهذا حال والدهما، لم يتحمل المسكين إصابة ولديه فضرب رأسة بحائط إسمنتي لعدة مرات فأثرت الضربة على دماغه وهذه حاله تحول من أستاذ ومعلم إلى رجل مجنون، يتردد على أبواب المدارس التي تدرس بالكردية ويتأمل الأطفال فيزداد ندمه، في حركات يفقد السيطرة عليها، والطفلان القابعان في زاوية المنزل لا يستطيعان الحركة، ولا شيء على لسانهم سوى نريد أن نتعلم، وقد قررت أن أتكفَّل بتعليمهما اللغة الكردية وباقي العلوم، عندها أدركت أنَّ الحقيقة قد تختبئ ولكنها لن تختفي إلى الأبد.

التعليقات مغلقة.