سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

المرأة الكردية…ماضٍ مُشرّف وحاضر مُشرِق

إعداد/ ميديا غانم –
روناهي/ قامشلو- المرأة الكردية تاريخٌ عميق من البسالة وعزة النفس والثقافة، فمنذ القدم وبدءاً من المجتمع الكومينالي وضعت المرأة بصمتها على جبين التاريخ، وأثبتت أنها صانعة الحضارات ومربية الأجيال، وأنها هي نصف المجتمع وتربي النصف الآخر، وهي من حملت على عاتقها منذ الأزل إنارة مجتمعها، فكانت السباقة إلى الدفاع عن أرضها والأولى في اكتشاف الزراعة، والسبب الرئيسي في الحفاظ على اللغة والثقافة، والمرأة الكردية خير مثال على أن المرأة مهما تسلط عليها أنياب الذهنية الذكورية والسلطات الرأسمالية تبقى للعهد وفية بالحفاظ على أرضها ومواصلة النضال والكفاح، وذلك بحمل السلاح بيد وهز المهد بالآخر.
يقول الدكتور والكاتب القدير أحمد خليل “سوزدار ميدي” بأنه ثمّة مقياسان دقيقان لقياس حال المجتمع أيّاً كان، وفي أيّ عصر كان، هما الطفل والمرأة، وكي نتوصّل إلى فهم ذهنية مجتمعٍ ما، ونحكم على ثقافته ومنظومته الأخلاقية، يكفي أن نحلّل موقع الطفل والمرأة فيه، فماذا عن المرأة في المجتمع الكُردي بين الماضي والحاضر؟
يتطرق الدكتور الكاتب “سوزدار ميدي” إلى الكثير من سمات المرأة الكردية في التاريخ، والظواهر التي كونت شخصيتها وميزتها عن أقرانها في الدولة المجاورة، ففي البداية يتطرق إلى ظاهرة اختلاط المرأة الكردية بالرجال، ويشير بأن لها علاقةً بثلاثة أسباب؛ “السبب الأول: طبيعةُ نظرة كلٍّ من الرجل والمرأة إلى الآخَر في المنظومة الاجتماعية الكُردستانية الأصيلة، وليس الدخيلة والمُخترَقة، فعلى الغالب لا تنحصر تلك النظرة في الشهوات الجنسية، وإن الحبّ بين الفتاة الكُردية والفتى الكُردي، حسبما تؤكّد الملاحم الغنائية التراثية، مثل “Memê Alan”، و”Dewrêşê Ebdî” وغيرهما حبٌّ مخلص عفيف تكافئ المرأة فيه مع الرجل، وتشيد به، وتعبّر عن حبّها له، والسبب الثاني حسب ميدي بأن المكانةُ المحترمة للمرأة في المجتمع الكُردي، ويوضح بأنها تتأسّس على دور المرأة في المجتمع الريفي والرَّعوي الكُردي، وينوه بأنها منذ العصر الحجري الحديث (النِّيولوتي)، كانت، وما تزال، تعمل جنباً إلى جنب مع الرجل في المزرعة وفي المراعي، وهذا يعني أنها عضو فاعل ومؤثّر ومنتِج في المجتمع الكُردي، وأن تهميشها يسبّب خللاً في الحياة الاجتماعية، أما السبب الثالث فيذكر بأنه الثقافةُ الديمقراطية الغالبة على المجتمع الكُردي، ويشير بأن الكُرد ورثوا هذا النمط الثقافي من أسلافهم الأقدمين، وتجلّى ذلك في الفكر الديني الكرُدستاني، وفي الفكر السياسي الكُردستاني، فالعلاقة بين الله والإنسان، في اليَزْدانية (أَزْدائي: الدين الكُردي القديم)، ليست علاقةَ إله جبّار مرعِب بعبدٍ خانع ذليل، وإنما هي أقرب إلى علاقة صديق بصديق على حد تعبيره. وعلى الصعيد السياسي فيذكر بأنه منذ عهد أسلافنا الگُوتيين (جُوتي)، كان المجتمع الكُردي ينفر من حكم الفرد المتسلّط المستبد، ولا يخفى أن الفكر الديني والفكر السياسي لأمّة من الأمم هما من أبرز تجلّيات ثقافتها”.
شهادات الباحثين..
ويتطرق الدكتور سوزدار ميدي إلى ظاهرة أخرى عن المرأة الكردية في التاريخ القديم، ألا وهي ظاهرة “سفور المرأة الكُردية”، وآراء الظاهرة الأوربيين الذين زاروا كُردستان حول ذلك، حيث ينوه إلى قول باسيل نيكيتين، مستعيناً بالرحّالة سُون: “لا تضع النّساء الكُرديات الحِجاب “النِّقاب”على وجوههن، ويختلطن أيضاً بالرجال عند عقد الاجتماعات، ولهنّ الكلمة التي يستمع إليها رجالهن”. يقول سون: “في كثير من القرى كانت ربّة البيت تستقبلني في غياب زوجها، وتشاركني الحديث ببهجة وسرور، بل ويتناولن الطعام معنا أحياناً. وعندما يعود زوجها لا تترك الضيف لوحده، مؤكّدةً بذلك على اهتمامها به، حتى يدخل الزوجُ المنزلَ بعد نزوله عن جواده وربْطه في الحظيرة”.

المرأة الكُردية.. ووِسام التقدير
ويتابع ميدي بأن المرأة الكُردية تستحقّ وِسام التقدير والتكريم؛ فيتكلم هنا عن المرأة القروية أو الريفية بالقول: “المرأة الكُردية تستحقّ وِسام التقدير والتكريم لأنها تقوم بكل متطلّبات الحياة اليومية (احتطاب، جلْب الماء، تخبيز، إعداد الطعام، ترتيب البيت، تنظيف، تربية الأطفال، نَسْج البُسط والثياب، إلخ)، وإضافةً إلى هذا تشارك الرجلَ في كثير من أعمال الحياة الرَّعَوية والريفية، وهذه حقائق معروفة في المجتمع الكُردي”.
ويتطرق ميدي إلى شهادات أجنبية حول مدى قوة وصلابة المرأة الكردية فيقول: “ولندع الآخرين يدلون بشهاداتهم، فقد نقل باسيل نيكيتين Basil Nikitin عن ڤلاديمير مينورسكي Vladimir Minorsky قوله: “جميع الأشغال المنزلية الشاقّة تقوم بها النّساء، فهنّ يُحمّلن الدوابَّ، ويُنزلن عنها الأحمال، ويَحملن الماء، ويَصعدن إلى مواقع رعي القطعان لحلبها، كما يقمن أيضاً بجمع الحطب والمحروقات الأخرى، ويَنقلنها إلى منازلهن للتدفئة والطبخ. ولا يتخلّين أثناء عملهن هذا أبداً عن أطفالهن الذين يُعلّقنهم على ظهورهن بواسطة أحزمتهن الطويلة”.
ويضيف ميدي قائلاً: “ما أكثر الأدلّة على صمود المرأة الكُردية في مواجهة قسوة الحياة الرَّعوية والريفية، بكل ما تعنيه تلك الحياة من مشقّات وكدح، وصبر وتفانٍ بلا حدود، وهل كان من الممكن للكُردي أن يحمل البندقية، ويلتحق بالجبال، ويقاتل المحتلين، لولا ثقته بأن شريكته في الحياة سترعى الأولاد والماشية والحقل في غيابه وبعد استشهاده؟ وهل كان من الممكن للشباب الكُرد أن يشاركوا في الثورات، لولا أنهم رضعوا حليب الإباء والشجاعة من هؤلاء الأمهات؟
مكانة المرأة في المجتمع الكُردي
وحول مكانة المرأة في المجتمع الكردي الأصيل يردف ميدي بأنه في المجتمع الكُردي الأصيل  لا يُنظر إلى المرأة نظرة دونية، ولا تُعتبَر أَمَةً مهمّتُها خدمة الزوج وتلبية رغباته الجنسية، فالثقافة الكُردستانية الأصيلة تنبذ العبودية، وتُنمّي عشق الحرّية والكرامة، ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على مكانة المرأة، فتتمتّع بالاحترام داخل الأسرة وخارجها.
وقد تنبّه الباحث الروسي ڤلاديمير مينورسكي إلى ظاهرة شهرة الشخص أحياناً باسم أمّه في المجتمع الكُردي، فقال: “للمرأة عند الكرد شخصيةٌ بلا شكّ، وليس من العبث أن نرى اسمَها يضاف إلى اسم ابنها؛ إذا كانت تتمتع بذكاء معيّن”. 
الإباء والدفاع عن الكرامة
 “Şêr şêre, çi jin çi mêre”؛ بهذا المثل الشعبي الكردي القديم والذي معناه: “الأسدُ أسدٌ، أنثًى كان أم ذَكَراً”، يشير ميدي إلى ريادة المرأة الكردية في المجتمع الكردي الأصيل، وينوه بالقول: “من تقاليد المجتمع الكُردي تقديمُ المرأة على الرجل في الخطاب، فيقال في أثناء الحديث: Dê û bav (الأم والأب)، Jin û mêr (النساء والرجال)، Xwîşk û birak (الأخت والأخ)، وهذه العادة واضحة في المثل السابق أيضاً، فقُدّمت المرأة Jin على الرجل mêr. وهذه الظاهرة تؤكّد المكانة العالية التي تحظى بها المرأة في الثقافة الكُردية وفي المجتمع الكردي”.
ويؤكد ميدي بأن هذا المثل الكُردي القديم يعبّر عن حقيقة راسخة في شخصية المرأة الكُردية الأصيلة، “فهي تمتاز بالإباء والشجاعة والفروسية والقدرات القيادية، ولا عجب أن تكون المرأة الكُردية هكذا، فالجبلُ مفتاح الشخصية الكُردية؛ سواءً أكانت شخصيةَ المرأة أم شخصية الرجل”.
وكان في التاريخ نساء كرديات شكلن شوكةً في حلق العدو أمثال مينا خانم زوجة الشهيد قاضي محمد، رئيس جمهورية مهاباد الكردية التي تأسست فى أربعينات القرن الماضي التي برز دورها الريادي في ترسيخ بنيان الجمهورية، كما أسست آنذاك “اتحاد النساء الديمقراطي الكردستاني”، وكانت تسعى لنشر الفكر الحر والثقافة بين النساء الكرديات، وأيضاً روشن بدرخان التي اشتهرت بأنها كانت أول امرأة تقرأ وتكتب باللغة الكردية، وكانت أيضاً من رواد الثقافة والمعرفة، حيث كانت من مؤسسات جمعية إحياء الثقافة الكردية في دمشق 1954-1955.
رقم صعب في التاريخ الحديث..
تطرقنا إلى شجاعة وبسالة وثقافة المرأة الكردية في التاريخ القديم، فهل توقفت المرأة الكردية عن النضال والكفاح بعد كل الجرائم والإبادة بحق شعبها عموماً وعلى شخصها وفكرها خصوصاً؟
الجواب يأتي هنا في مقال الكاتب والباحث المصري محسن عوض الله؛ المتخصص بالشؤون الكردية والتركية وأزمات سوريا والعراق، الذي يصف شجاعة المرأة الكردية بأنها تاريخ المقاومة، والانبهار.
يقول عوض الله بأنه “على مدار الأعوام الماضية، تداول الكثيرون صور مقاتلات كرديات يحارب في مواجهة «داعش» و«جبهة النصرة» في سوريا والعراق، يمسكن بالسلاح، ويحاربن جنباً إلى جنب مع أقرانهن الرجال”.
ويردف بالقول: “بعيداً عن الانبهار السطحي بهذه الصور، فما نحاول التنبيه له هنا هو أن وصول المرأة لهذه المكانة تطلب صراعاً طويلاً، وجدالات عميقة، وتوتراً بين الرفض والقبول، حتى وصل الأمر لمعركة مثل معركة مدينة كوباني-عين العرب، حيث سجلت المقاتلة الكردية شجاعة نادرة وبسالة قتالية عالية المستوى، ما دفع بأحد قتلة «داعش» إلى قطع رأس إحداهن انتقاماً”.
ويرجح عوض السبب وراء شجاعة النساء الكرديات لنشأتهن بين الجبال، لتعلم الفروسية والقتال، مثلهن مثل الرجال.
ويؤكد الباحث المصري محسن عوض الله بأنه “رغم كل الظروف التي تعادي الكرد عموماً والمرأة بشكل خاص، إلا أن الثراء الثقافي والفلسفي والطبيعة المختلفة للأمة الكردية جعل المرأة رقماً صعباً ومميزاً في معادلة الشرق الأوسط قياساً بنظيراتهن من العرب أو الترك، لتصدق معها الأغنية الكردية «يا لفرحة الدار الذي فيه بنات»”.
“تحرير المرأة أثمن من تحرير الوطن”
ويشدد عوض الله على أن الفضل الأكبر في تحقيق المرأة الكردية لكثير من حقوقها، للقائد عبد الله أوجلان، ويبيّن بالقول: “ظل أوجلان مهموماً بقضية تحرير المرأة ومنحها كامل حقوقها، فلم تخل كتبه من الإشارة لقضيتها، لدرجة أنه أنشأ ما أسماه «علم المرأة»، كفلسفة اجتماعية لمواجهة الظلم الذي تتعرض له المرأة بالشرق الأوسط”.
ويتطرق الكاتب والباحث المصري إلى كتاب رسول السلام القائد عبد الله أوجلان؛ “العصرانية الديمقراطية هي عصر ثورة المرأة”، والذي جاء فيه: “تحرير المرأة أثمن وأكثر ضرورةً من تحرير الوطن، لَمْ أشعر بكل هذا المقت تجاهَ أيِّ حَدَثٍ بقدرِ ما أبديته إزاءَ الرجلِ والعائلةِ والهرمیة والدولةِ، الذين يزعمون أنهم أصحابُ المرأة ومالكوها. فكيف حصلَ ولَم یتبقَّ من نسلِ الإلهة الأنثى إلا هذا الانحطاطُ المروِّع؟ لَم بقبل عقلي وروحي بهذا الانحطاطِ إطلاقاً، تماماً مثلما لم تَستَسِغه ذهنيتي. فبالنسبة لي؛ إما أنْ تَكُونَ المرأةُ داخلَ قدسية الآلهة، أو ألا تَكُونَ أبداً. ولطالما أُفَكِّرُ بِصِحَّةِ المقولة القائلةِ بأنَّ مستوى حیاة النساء في مجتمعٍ ما معیارٌ أوليٌّ في معرفةِ ذاك المجتمع”.
تبقى المرأة الكردية رقماً صعباً لا يستطيع أحد كسر إرادتها وعشقها للحرية، فقد كانت منذ فجر التاريخ تضفر جدائلها وتحمل السلاح على أكتافها، وقد تابعت مسيرتها أجيالاً وراء أخرى لتؤكد بأن المرأة خلقت حرة ولم ولن تقبل بالهوان.

التعليقات مغلقة.