No Result
View All Result
تقرير/ رامان آزاد –
أهم ما فعله أردوغان أنّه امتصَّ مشاعرَ الرفضِ والعداوةِ تجاه إسرائيل وحوّلها إلى داخلِ البلدانِ العربيّةِ، وفي مقدمها سوريا، واستفاد من التناقضِ داخلِ المجتمعاتِ العربيّةِ ورغبتها بالتغييرِ واستثمرها لتكون وقوداً في الصراعِ الداخليّ في الدول العربيّة، وكان نصيبُ الكرد من مشاعرِ الكراهيةِ الأكبر وقد وظّفته أنقرة لصالحها في العدوان على شمال سوريا.
من المقاومةِ إلى اتفاقاتِ السلامِ
استمرتِ المعاركُ بعد حرب تشرين 1973، وخاضت سوريا حربَ الاستنزافِ حتى توقيعِ اتفاقيةِ هدنةٍ كان عرّابُها وزيرُ الخارجيّةِ الأمريكيّة حينها هنري كيسنجر في 31/5/1974 وجاء الاتفاق وفقاً لقرار مجلس الأمن الدوليّ 338 الذي صدر في 22/10/1973، ونصَّ على وقفِ إطلاقِ النارِ والأعمالِ العسكريّةِ.
بقيتِ القضيةُ الفلسطينيّةُ محورَ الخطابِ السياسيّ والإعلاميّ طيلة عقدي السبعيناتِ والثمانينات، وكان الخطابُ الإعلاميّ العربيّ وبخاصةٍ الوطنيّ يزخرُ بشعاراتٍ قوميّة كبيرةٍ مثل: إسرائيل: كيانٌ مصطنعٌ، شوكةٌ بالجسدِ العربيّ، مخفرٌ متقدمٌ للإمبرياليةِ العالميّة، سنُلقي بإسرائيل بالبحرِ، قضية فلسطين قضيةُ العربِ المركزيّة، دعمُ النضالِ لتحرير فلسطين، وشغلت القدس محور الخطابِ العربيّ الذي اتّصف بنبرةٍ ثوريّةٍ، وعندما وقع أنور السادات معاهدةَ كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل في 26/3/1979 طافتِ المظاهراتُ الاحتجاجيّةُ المدنَ العربيّة، وتمَّ ترقينُ عضويّةِ مصر بالجامعةِ العربيّة التي نُقِل مقرُها إلى تونس. 
وفي هذه المرحلة بدأت إسرائيل عملية غزو لبنان في 4/6/1982، وتم ترحيلُ القياداتِ الفلسطينيةِ إلى تونس في 30/8/1982، ودخل الجيش الإسرائيليّ بيروت التي شهدت عمليات مقاومةٍ نوعيّة حتى صرخت مكبرات الصوت الإسرائيليّة: “يا أهل بيروت أوقفوا إطلاق النار، سننحسب صباحاً”، وانتفاضةُ الحجارة 1987. وفي تلك المرحلةِ استمرت الشعاراتُ المنادية بالوحدة العربيّة، ومضت تلك المرحلة وشعاراتها.
شهِد عقد التسعيناتِ تراجعاً وانقساماً عربيّاً وتوقيعَ اتفاقاتِ سلامٍ مع إسرائيل فكانت أوسلو 13/9/1993 واتفاقية غزة-أريحا 4/5/1994 وتضمن تشكيلَ السلطة الفلسطينيّة واتفاقية طابا في 28/9/1995 التي قسّمت مناطقَ السلطةِ الفلسطينيّة، ووادي عربة بين الأردن وإسرائيل في 26/10/1994.
فورة العقد الأول
مع الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في ٢٥/5/2000 تصدرتِ المشهدَ السياسيّ عناوينُ مقاومةِ الاحتلالِ والصمود. وتضمن البيانُ الختاميّ للقمة العربيّة ببيروت في 28/3/2002 مبادرةَ الملك عبدالله الذي دعا لإنشاءِ دولةٍ فلسطينيّةٍ معترفٍ بها دوليّاً حتى حدود 4/6/1967 وضمانِ عودةِ اللاجئين والانسحابَ الإسرائيليّ من هضبةِ الجولان، مقابل تطبيعِ العلاقاتِ مع إسرائيلِ التي لم تستجب للمبادرةِ، وتصاعدَ خطابُ دعم المقاومة مع حربِ تموز ٢٠٠٦ وكان حزبُ محور الحدث ومعه حركاتُ المقاومةِ الفلسطينية، فيما شنّت إسرائيل عدة حروبٍ إسرائيل على قطاعِ غزة، بالمقابلِ بدأ التراجعُ واضحاً بالموقفِ الخليجيّ، وفي قمة الكويت الاقتصاديّة العربيّة في20/1/2009 أعلن الملك السعوديّ عبد الله بن عبد العزيز أنّ “المبادرة لن تبقى على الطاولةِ إلى الأبدِ”. ولكن لا شيء تغيّر.
تراجعُ حديثِ المقاومةِ والخطاب البديل
في العقدِ الثاني استمرَّ الاختلافُ العربيّ أكثر وضوحاً، ومع انطلاق الربيع العربيّ غابت شعاراتُ المقاومةِ، واُستدرج حزبُ الله إلى سوريا وانقلبت حماس على دمشق. وتمّت صياغةُ شعاراتٍ جديدةٍ، اتجهت للداخلِ وظهرت مصطلحاتٌ دينيّةٌ (اخوانية، وهابيّة سلفية، جهادية) ربطت الداخلِ بالخارجِ، وتوقف الحديثُ عن إسرائيلَ كعدوٍ استراتيجيّ للعربِ.
في سوريا بدأ التغيّر وتراجعُ خطابِ المقاومةِ، اعتباراً من آذار ٢٠١١ وارتفعت شعاراتٌ بديلةٌ هي (الحرية والكرامة والثورة لإسقاط النظام)، وغرقتِ البلادُ في فوضىً عارمةٍ.
تبرّأ العربُ من خطابِ المقاومة وأدانوها بكلِّ الوسائلِ، وسَخِروا منها، وليس من الواضحِ أنّهم سيستعيدون الخطابَ السياسيَّ المناهضَ لإسرائيلَ والداعيَ للمقاومةِ وتمجيدِ قيمها ولتحريرِ القدس، وعندما أعلن الرئيس الأمريكيّ ترامب عن صفقةِ القرن في 28/1/2020 فقد توجّه بالشكر إلى دولٍ عربيّة كالبحرين والإمارات وعُمان لدعمها ما سماه جهودَ السلامِ، ومعلومٌ أن الصفقةَ تتضمنُ شرعنة الكتلِ الاستيطانيّة بالضفة الغربيّة وإنكار حق العودة ويدعو لتوطينَ الفلسطينيين في شتات اللجوءِ، وبالتالي هي مسارٌ لتصفيةِ القضيةِ الفلسطينيّة وبدايةُ التطبيعِ، بادر أردوغان لإعلان الرفض، وهو الذي يحافظ على علاقات ثابتة مع إسرائيل وتبادلٍ تجاريّ وتعاونٍ عسكريّ، وتلك عادته باستثمار الجرح الفلسطينيّ، وأحد أهم نتائج الربيع العربيّ، فارتفعتِ الأصواتُ بالدعاء لأردوغان على منابر عربيّة.
مؤخراً مع تداول خبر مخرجات اجتماعِ القدسِ الأمنيّ في 23/6/2019، والقصف الإسرائيليّ المستمر لمواقع إيرانيّة في سوريا (آخره قصفٌ على موقع في حلب) بدأ الحديث عن دورِ إسرائيل في الأحداث ولكنه منخفضُ النبرةِ، ذلك لأنّ تعقيداتِ الأزمة السوريّة كبيرةٌ ويأتي حادث القصف هامشيّاً بالنسبة للسوريين.
أنقرة تستبدلُ الشعاراتِ
كانت أنقرة حاضرة على كاملِ مسارِ الربيع العربيّ، ولكن بدرجات متفاوتة، فكان أكثر وضوحاً في سوريا بسببِ الجوارِ والحدودِ المشتركة الطويلة، وبالمجمل استطاعت أنقرة امتصاصِ شعاراتِ ومشاعر الامتعاض والرفضِ للأنظمةِ القائمةِ وحتى المناهضة لإسرائيل واستثمرتها لصالحِ أجندتها، ولعلّ تشكيل لواء الضباط الأحرار في تركيا في 9/6/2011 كان الإشاراتُ الأولى، وبدايةُ عسكرة الحِراكِ الشعبيّ ودفعه للزاويةِ المذهبيّة، ولم يكن ممكناً أن تقودَ أنقرة أحداث سوريا دون المذهبيّة والعسكرة، فنزعت كلّ توصيفٍ وطنيّ عن عناصره لتشكّلَ منهم جيشاً رديفاً تزجُّ به حيث تشاءُ، بعيداً عن الأهدافِ الأساسيّة التي خرجتِ الناسُ من أجلها إلى الساحات، وبات من السهلِ أن تزج به في عدوانها على سوريا لتقلل بذلك خسائرها إلى الحدِّ الأدنى.
على المستوى السياسيّ ارتفعت أصواتٌ سورّية تباركُ الاحتلالَ وترحّبُ به وتتماهى في خطاب أنقرة، فيما أصبح خطابُ الثورةِ ثانويّاً، فقد أصبح تبريرُ الاحتلالِ هو الأهم.
أحاديثَ موسكو عما تسمّيه مشروعَ “الدويلة” والتي تقصد بها استفزاز واشنطن، كرّرتُه منصاتٌ إعلاميّة وسياسيّة سوريّة، أدارت ظهورها لحقيقةِ تعدديّةِ المكوّناتِ المشاركةِ بكلِّ مجالاته، وأنّه حارب الإرهاب وحافظ على وحدةِ الترابِ الوطنيّ، وبادرت بخطابٍ إنشائيّ حفل بعباراتِ: (لن نسمح بإقامةِ كيانٍ انفصاليّ، سنواجه بقوةٍ الطموحاتِ الكرديّةِ، المشروعُ الكرديّ يهدفُ لتقسيمِ الوطنِ ويهددُ أمن المنطقة، الكردُ خنجرٌ في خاصرةِ الوطن، المشروع الكرديّ إسرائيلٌ ثانية، لا وجودَ كرديّ سوريّ، الكرد أدواتُ الغرب). وإمعاناً بالرفض اعتبروا الوجود الكرديّ مجرد حالة لجوء، وأنّهم بلا تاريخ، ووصفوهم بالكفر والإلحادِ، وعلى مستوى الثقافة الاجتماعيّة كانت هناك توصيفاتٌ أخرى تهدفُ بمجملها للاستفزاز. واللافتُ أنّ الموقفَ إزاء الكرد شكّل نقطةَ تلاقٍ بين دمشق ومعارضة إسطنبول، وفي بازار الوطنيّة زَاوَدَ مؤيدون للنظام وآخرون مناوئون لمصالحة أنقرة على حساب الكردِ. والسؤال: أيُّ احتواءٍ وطنيّ للكردِ يتحدثون عنه مع كلِّ هذا الخطابِ التنفيريّ والتخوينيّ والتكفيريّ؟
تستمر أنقرة باستباحةِ المناطق السوريّة التي تحتلها، ونقلِ مرتزقةٍ سوريين للقتال في ليبيا، فيما يسودُ الصمتُ على المستوى العربيّ بشكلٍ عامٍ، ولم يرتقِ الخطابُ العربيّ إلى مستوى التهديداتِ الجديّة التي يشكّلها العدوانُ التركيّ وتدخله بالشؤون الداخليّة لسوريا وليبيا، بل تساهمُ دولة قطر بتمويلِ المشروعِ التركيّ الاحتلاليّ، ما يؤكّد أنّ التغييرَ أعمقُ من الشعاراتِ والعناوين.
No Result
View All Result