No Result
View All Result
تقرير/ رامان آزاد –
أضحت سوريا ميدانَ تصفيةِ الحساباتِ، وهي تشهد للسنة العاشرة حرباً متعددةَ المستوياتِ، لا تتصلُ بمصالح السوريين الذين تحوّلوا إلى وقودِ لها وضحايا على مذبح المصالح المتناقضة للأطرافِ المتدخلةِ، وعلى هامشِ الحربِ تقصفُ إسرائيل من وقتٍ لآخر مواقعَ إيرانيّة فيما الصمتُ الروسيّ علامة قبول.
العسكرة كانت ترجمة للتناقضات
كثيرٌ من النقاش الذي يتصلُ بالأزمة السوريّةِ يتجاهلُ طبيعةَ تناقضاتِ المنطقة إما جهلاً أو تجاهلاً، ليركّزَ على معطياتِ الميدانِ وصراعِ المرتزقةِ الفصائليّ، الذين أصبحوا مجرّدَ أدواتٍ في صراعٍ كبيرٍ ولا يملكون قرارهم الذاتيّ بعدما رهنوا أنفسهم لأنقرة تزجُّ بهم أنّى وأين شاءت في سوريا أو تنقلهم إلى ليبيا.
يختزلُ الميدانُ السوريّ كلّ التناقضِ الدوليّ والإقليميّ، وثمّة ثلاثة عناوين تسبقُ الأزمةَ السوريّة (الهلالُ الشيعيّ والبدرُ السنيّ والجغرافيا الممتدةِ بين النيلِ والفراتِ) هي عناوين دينيّة الظاهرِ وتجلياتها السياسيّة متناقضة وتمثل ثلاث قوى بالمنطقة (إيران وتركيا وإسرائيل) إلا أنّ القاسمَ المشتركَ بينها التمددَ بذريعةِ “الأمنِ القوميّ”.
يعتقدُ البعضُ أنّ تناولَ القضيةِ السوريّةِ بهذه الطريقةِ يرسّخُ نظريةَ المؤامرةِ، وينكرُ الثورةَ السوريّة التي بدأت سلميّةً بمطالبَ شعبيّةٍ، ولكن تمَّ اختراقها من قبل عدةِ جهاتٍ وحرفها عن مسارها، ويصدّعُ رأسنا بطروحاتٍ لم تثبت صحتُها كالقولِ الشعبِ السوريّ واحدٍ.
لكن لو راجعنا تطوراتِ الأزمةِ السوريّة لرأينا حجمَ التدخلِ الخارجيّ وأنّ التعددَ الفصائليّ جاء بصورةِ الارتزاقِ مباشرةً والولاءِ للطرف الذي تولى التمويلُ والتسليحُ والدعمَ الإعلاميّ، والحقيقة هي تزامنُ التلوّن الطائفيّ والانزلاق للعسكرةَ في مرحلةٍ مبكرةٍ، ففي الفترة 4-12/6/2011 شهدت جسر الشغور حوادثَ دمويّةً على أساسِ طائفيّ، ولا يغيبُ عن ذاكرةِ السوريين مشهدُ رمي الضحايا بنهر العاصي على وقعِ الشعاراتِ الدينيّة والتكبير والتهليل، وفي 9/6/2011، أُعلن تشكيلُ لواءَ الضباطِ الأحرارِ كأولِ إطارٍ تنظيميّ للعسكرةِ، واتخذ مقرُّه في تركيا التي تولتِ التدريبُ والتمويلُ والتسليحُ، وفي 29/7/2011 أُعلن عن كيانٍ عسكريّ باسم “الجيش السوريّ الحر”.
كانتِ العسكرة ترجمةً مباشرةً لواقعِ التناقضاتِ بالمنطقةِ، واستمرت حتى اليوم وأفضت إلى نتائجَ مأساويّة وما فعله المرتزقة السوريّون المنضوون بالتشكيلاتِ التي أسستها تركيا بعفرين وكري سبي وسريكانيه تجاوز العداءِ والحقدِ، فقد كانوا أداةَ الاحتلالِ، فأيّ حديثٍ عن ثورةٍ باتت رهينةَ أنقرة وأداتها؟!
ماذا تفعل روسيا؟
أعلنت روسيا عن تدخلها في سوريا في 30/9/2015 بعدما أدركت أنّها على مشارف خسارة الموقع الجيوسياسي لسوريا لصالحِ مشروع الإسلام السياسيّ، فعملت على استثمارِ تفاصيل تناقضاتِ الأزمة، في إطارِ سعيها لاستعادِة دورِ الاتحادِ السوفييتيّ، عبر البوابةِ السوريّة. على أنّ سوريا هي جغرافيا التموضعِ الروسيّ وليست حدود الدورِ الذي تتطلع إليه، وأدركت أنّ حضورها بالمنطقة يتطلبُ انفتاحَاً هادئاً على أربعِ قوىً بالشرقِ الأوسط (تركيا، إيران، إسرائيل)، فيما السعودية تمثل حالةً خاصةً، ولكن كلّ منها يمثلُ لوناً دينيّاً وطموحاً سياسيّاً معيناً، ولذلك كان أسلوبُ موسكو بالتعاطي معها، مختلفاً عن الأسلوب الأمريكيّ.
جوهرُ سياسةِ موسكو يقومُ على تحجيمِ التدخلِ العسكريّ لكلّ الأطرافِ في سوريا، والانفرادِ بها، وفي 13/12/2016 كانت أولى التحولات بالتوافقِ على إخراجِ المسلحين من حلب، ومن ثمّ إعلانُها خالية من الإرهابِ في 22/12/2016. في الجانب السياسيّ كان الانطلاق بالجولة الأولى من أستانه في 23/1/2017 وبذلك تم استيعاب الدور التركيّ، وجمع طرفين من المثلث في إطار واحد.
دأبت واشنطن وتل أبيب الإعلان عن عدمِ قبولِ الوجودِ الإيرانيّ في سوريا، ولهذا كان ابتعادِ القواتِ الإيرانيّة مسافة 100كم عن خط الهدنة (الخط الأزرق)، هو شرطُ تطبيقِ مخرجاتِ أستانه جنوب دمشق وعودةِ قوات النظام وسيطرتها على كامل الطريقِ الدوليّ حتى معبر نصيب الحدوديّ مع الأردن، ماذا يعني ذلك؟ إنّه نجاحُ موسكو باحتواء إسرائيلَ لتكونَ مرجعيّة سياسيّة لها باستثمار الفزّاعةِ الإيرانيّة، مقابلَ الأخذِ بعينِ الاعتبار مطالب إسرائيل المتعلقِ بأمنها، وبنفسِ الوقتِ إنهاءَ الدورِ السعوديّ بإغلاقِ الحدودِ مع الأردنِ.
فيما تستغلُ إسرائيل ظروف الأزمة وتستهدفُ القواتِ الإيرانيّة في سوريا، وهي رسالةٌ لطهران بأنّ قواتِها لن تكون بأمانٍ في سوريا، رغم أنّه يُفترض أنّ تكونَ الأجواءُ السوريّة مغلقةً بوجهِ أيّ تهديداتٍ بوجود منظومة إس-400 على الأرض السوريّة.
استثمرت موسكو أيضاً الخلافَ بين ضفتي الخليج أي إيران والدول العربيّة الخليجيّة، وقدّمت نفسها طرفاً ثالثاً لتكونَ مرجعيّةً لدولِ الخليجِ. من جهة أخرى فإنّ موسكو خيارٌ طهران الإلزاميّ في ظلِ العزلةِ المفروضة عليها، ويتشاركُ الطرفان مصالحَ كبيرةً، لتكونَ علاقةَ تنافعٍ مقابل الدورِ الأمريكيّ، وإيران مازالت حاضرة فعليّاً بالعراق وسوريا وصولاً إلى لبنان عبر حزبِ الله.
النظرية الأوراسيّة وطموح موسكو
وفي إطارها مشروعها الموسّع (النظرية الأوراسيّة) تحتاجُ موسكو لدورٍ تركيّ فاعلٍ واستثماره على أكثر من صعيد، والهدف الأكبر احتواء الدور التركيّ لتسديد ضربة إلى الناتو نفسه، وهي فزاعة أخرى. ولكن موسكو أفهمت أردوغان بعد التصعيدِ الأخير بإدلب وهدنة موسكو 5/3/2020 بحدودِ الدورِ المسموحِ لتركيا. ويجب ألا ننسى صفقةَ الصواريخ إس-400 لتركيا ومن بعدها للسعودية لكسرِ الاحتكارِ الأمريكيّ.
من المهم أن نفهم المستوى الجيويوليتيكيّ للتنافس الدوليّ وهو ليس مجرد شرق وغرب، بل صراعٌ تاريخيّ بين ثقافتين مختلفتين، وموسكو التي تتبنى النظريّة الأوراسيّة لتمثلَ قوى البر (التيلوروكراتيا) وتشملُ اليابسة من أوروبا إلى عُمقِ آسيا، مقابل قوى البحرِ (التالاسوكراتيا) التي يمثّلها حلف الناتو وحاملات الطائرات التي تجوبُ العالمَ، وتركيا تتلاعبُ في الهوة الجيوستراتيجيّة، والجغرافيا السوريّة لا تكفي لتفسيرِ تدخلها في ليبيا وإقامة قواعد عسكريّة بقطر والصومال.
مستوى آخر من التنسيق
سياسة موسكو في سوريا تنطلق من طموحاتها في تثبيت وجودها على البحار الدافئة دون تجاهل طبيعة تناقضاتِ المنطقةِ بل باستثمارها، ويمكنُ تفسيرُ الصمتِ الروسيّ إزاءَ العربدةِ الإسرائيليّة واستباحتها للأجواءِ السوريّةِ واستهدافِ المواقعِ الإيرانيّةِ، أنّه توافقٌ مشروطٌ مع واشتطن لقاء دورٍ موسّعٍ بالمنطقة، وهذا ما كان مضمون اجتماعِ “القدس الأمنيّ” عالي المستوى (الأمريكيّ، الروسيّ، الإسرائيليّ) في 23/6/2019 والذي حضره جون بولتون، نيكولاي بتروشيف ومئير بن شبات وتمّت مناقشة قضايا (الملف السوريّ، الوجودِ الإيرانيّ، تسليح حزب الله، صفقة القرن، أوكرانيا والعقوبات على روسيا) صحيح أنّ الاجتماعَ لم يتنهِ إلى تصوراتٍ نهائيّة، ولكنه أسس لآليّة تنسيق متقدمةٍ، وطرح أسئلة إمكانية موسكو في موازنة علاقاتها بالمنطقةِ. وباختصار هي خطةٌ روسيّةٌ متكاملةٌ للإمساكِ بمفاتيح الوجودِ بالمنطقةِ.
No Result
View All Result