سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

تحدي الثورة والمسلمين

رياض درار –

في بداية تشكل فصائل رفعت شعارات إسلامية؛ عرض علي ممثل إحدى الفصائل وكان من مدينة درعا أن أكون شرعياً لهم، يومها عرضت الأمر على صديقي العلماني وكان مرجعاً بين سياسيي تلك الفترة، وصوتاً إعلامياً للثورة والحراك المدني، فرحب بالفكرة وشجعني على خوضها؛ بحجة أن نعرف أفكارهم وأن نساهم في توجيههم، يومها قلت له: سوف تقطع أياد، وترجم نساء، وتقطع رؤوس، وأعتقد أن أول رأس يقطع هو رأسي؛ لأني سأختلف معهم في أول حكم شرعي. ونسينا الأمر.
في الوقت الذي تأمل غالبيّة السوريّين أن تكون ثورتهم مدخلاً للحريّة والمشاركة السياسيّة وإقامة الدولة الوطنية والحكم العادل الرشيد؛ عمل بعض الإسلاميّين على بناء سلطتهم، مستغلين الفراغ التنظيمي للثورة، والإمكانات المادية التي كانوا يملكونها عبر الداعمين من مؤسسات منظمة ومقتدرة، صارت دولاً فيما بعد، وتأييد شعبي بحكم أن شعارات دينية بمواجهة سلطة البعث الفاسدة، ونظامه المستبد، وتاريخ من الذكريات الأليمة، تجعل روح الثأر تصعد على حساب أي توجه عقلاني. وأقاموا سلطة أمر واقع فرضوا من خلالها “هيئات شرعية” حرصوا على وجودها كتعبير أنها حلول اضطرارية كي لا تعم الفوضى، فكانت تغطية لمشروع الأسلمة الذي وجدوا من خلاله الفرصة للصعود على سطح الثورة، فعمت هذه الهيئات المجالس المحلية وكتائب الجيش الحر. فتركزت السلطة الفعلية في القائمين على أمر الدين. ومما أذكر أنني يومها في شهر تموز 2012 كنت في روما بدعوة من “منظمة سان ايجيديو”، حيث صدر “إعلان روما” لحل سياسي في سوريا؛ يومها حذرت من طالبان سوريا، وتكلمت عن بيان فصيل سمى نفسه “تيار أهل الأثر” وقلت إننا إذا لم نتدارك هذا الأمر؛ لن تكون سوريا بأقل مما جرى في أفغانستان. ولكن؛ الثوار بعد ذلك أخذوا يبررون ضرورة الاعتماد على الإسلاميين كجزء من الثورة، ثم صارت جبهة النصرة جزءاً من الثورة، يدافع عنها سياسيون علمانيون وغير منتمين لتيارات إسلامية في تاريخهم. وبدأ الإسلاميون بفرض رؤاهم التي أنتجت قطيعة مع الثورة ومجتمعها الذي ينتسب إلى الروح الوطنية الجامعة، التي لا تستثني طائفة ولا مكوناً، حيث “الشعب السوري واحد”. وحيث بشائر الاندماج الوطني الواسع.
لقد خرج المشروع الثوري من دائرة الفعل بتسلم الفئات المهمشة من الطبقات الشعبية والريفية قيادة الحراك، وتقدم الزعران باسم الدين ودعم الهيئات الشرعية والمال السياسي النفطي، بدل الفئات المثقفة التي تعلي شأن الاندماج الوطني والحركة المدنية والدينية، التي هي شأن علماني يدعو للحداثة والديمقراطية. وقاد الإسلاميّون عمليّة صراع واسعة المدى، الخلاف فيها على المسمّيات والمعاملات الشكليّة وسعوا لإنتاج نخبهم الحاكمة؛ فالتف حول كل طالب دنيا منهاز للفرص، وأقاموا أيديولوجيا متحكمة بديلة لأيديولوجيا الحزب الحاكم والنظام المتراجع، معتمدين في رسم سياستهم على طغيان النظام وآثار خياراته التدميريّة، وعلى غضب الثائرين من غير شروط للثورة.
إن تجارب الهيئات الشرعية المدماة أشد وطأة وقسوة وفساداً من محاكم أمن الدولة، واستبداد الإسلاميين هو ضرب من الاستبداد والطغيان أشد وأنكى من حزب البعث وحكوماته المتعاقبة عبر عقود، وإن بلبوس إسلامي. وإن إنتاج داعش قمة هرم هذا الاستبداد الذي يجعل تحدي الثورة بأن تعيد الرؤية في تحالفاتها وفي سياقاتها وفي مشروعها.
التحدي القادم في الثورة، هو تحدي الجمع بين القوى العقلانية والعلمانية الديمقراطية، مع الإسلاميين التنويريين الذين يؤمنون بحل المواطنة وحياد الدولة وفصلها عن الدين، وحين يشارك المسلمون في النشاط الاجتماعي والسياسي يشاركون كأتباع دين من الأديان وليسوا فوق الأديان، وأن هدفهم كالآخرين هو بناء الدولة  المدنية الديمقراطية، والمشروع السياسي العلماني الذي يضمن للجميع حقوقهم. باعتبار أن القرب من الإسلام، إنّما يكون بالبعد عن الطغيان. وأن الشعب الثوري هو الشعب الذي يؤمن بمشاركة الجميع، ويتصالح مع التنوع الديني والفكري والثقافي، ويقيم التفاهمات على مبدأ التعارف والتآخي.

التعليقات مغلقة.