سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

من هو الديمقراطي..؟!

رياض درار – 

 ليس سهلاً على الإطلاق أن نعرّف بدقّه متى يكون المرء ديمقراطياً، أو ما الذي يميّز الإنسان الديمقراطي. فليس من يعيش في دولة ديمقراطية بالضرورة أن يكون ديمقراطياً، أو من ينتمي إلى حزب يعلق على يافطته وصف الديمقراطي أنه كذلك، وحتى الحزب نفسه ليس بالضرورة أنه يمارس الديمقراطية بشكل مثالي.
 في غمار اللاحقة التزيينية لبعض الأحزاب والحركات بأنها ثورية أو اشتراكية أو ديمقراطية؛ لا نجد تطبيقاً عملياً لهذه المفاهيم، ونجد غياباً نظرياً لها في استراتيجيات هذه الأحزاب والحركات في كثير من الأحيان؛ ما يدعو لتعلم التواضع بدل دبق المطلقات الشالة لأي تقدم، والمانعة للثقة، والمشوهة للتصورات؛ ما يتوجّب على التعريف الصحيح أن يزوّدنا بمقاييس للتفريق ما بين الديمقراطي وغير الديمقراطي.
إن صفة الديمقراطي تعني أن ذاتاً سياسية حاملة لهذا المفهوم؛ لأن الديمقراطية التي تعني حكم الشعب هي مشروع سياسي أولاً، فالذات السياسية قد تكون طبقة أو حزب أو فرد يتمثل الصفة ويتحمّل المسؤولية، ويمارسها بغاية نشرها وترويجها وتطبيقها. الذاتية السياسية هي ما يجب على إنسان ما أن يحوزها؛ لكي يكوّن لنفسه أفكاراً وأحكاماً يمكن أن تُقيَّم على أنها سياسية؛ منطلقة من التفكر بالنظام العام أو الرأي العام، بمعنى القدرة الفكرية التي تمكّن الإنسان من إبداع وإخراج هذ النظام لكي يشارك فيه كفرد وذات سياسية وأخيراً كمواطن.
في بحث بعنوان “متى يكون المرء ديمقراطيّاً؟ محاولة في الشخصية الديمقراطيّة”؛ يشرح “ريغينالد غروننبرغ” ذلك، يقول: “المقصود لدى استعمال تعابير “الرأي العام” والـ “نظام” ليس فقط معانيها الواقعية التي نراها أمامنا في العالم. ولكن؛ كيف نعي تلك المفاهيم وهي تنشأ في داخلنا أفكاراً وأحكاماً، بحيث نستطيع أن نتفكّرها، أو نفكّر حولها. ولا يعني الرأي العام تلك المشاركة في وسائل الإعلام والتواصل. ولكن؛ كمبدأً بنيوي للتفكير، أي عندما نناقش مصالحنا وأمنياتنا ومثلنا العليا في جو عام مفترض يمكن فيه لآراء مضادّة تقابل آراءنا أن تواجهها. فالذات السياسية تتميّز من خلال مقدرتها على تصوّر وجود ما هو مختلف عن الحالي. وبكلمات أخرى فالذات السياسية قابلة للاتصال المعرفي بمفهوم الاختيار. وحيث لا يوجد ذلك لن تنشأ إطلاقاً فكرة سياسية ما في داخل إنسان ما.
والذات السياسية التي تنطبق على الديمقراطي والتي تميّزه عن غير الديمقراطي؛ هي أن الديمقراطي هو شخص يريد أن يرى فضاءً عاماً تصوّرياً، وقد تحوّل إلى واقع، أو فضاء واقعي كي يستطيع هناك أن يُدلي بتصوّراته الخاصة حول النظام، من خلال أحاديث ووسائل إعلام وأحزاب وبرلمانات دون عقوبات أو خوف من الموت.
 إن دافع الديمقراطي للمشاركة في هذا الفضاء الواقعي هو إمكانية كامنة في الأساس لأن يجعل إرادته السياسية جزءاً من عملية السلطة وسن القوانين، وذلك من خلال فعله ـ كدخول الأحزاب مثلاً، أو النشر في الإعلام أو تأسيس حزب جديد أو المشاركة في مظاهرة أو الانتخابات، الخ ـ.
 يصنع الديمقراطي لنفسه صورةً، أو أنموذجاً للأفراد الواقعيين الآخرين الذين يعارضونه في الفضاء الواقعي العام؛ لأن لديهم أفكاراً مختلفة ليس كأعداء وجوديين. ولكن؛ كخصوم سياسيين. وهذا يعني أن تصوّراته عن النظام العام تتميّز بالتسامح مع المعارضات الموجودة؛ لأنه هو أيضاً يمكن أن يصبح بأي وقت في المعارضة.
إن الديمقراطي يتخّلى عن تشييئ تصوّراته حول النظام؛ أي اعتبارها حقائقَ ذاتَ وجود أزلي ثابت، ويدرك أنها في الواقع مصالح واهتمامات شخصية ذاتية يودّ أن يراها مطبّقةً ومن ثمة معمّمةً من الجانب الحكومي؛ وذلك في إطار الكل السياسي، الحكومة والمعارضة.
يبقى هذا مجرّد مخطط أولي. لكنّه؛ يوضّح أنه ما زال علينا أن نكتشف الديمقراطي وأن نبحث عنه، حيث لا أحد يولد ديمقراطياً.

التعليقات مغلقة.