تحقيق/ رامان آزاد –
لا يستندُ توصيف الكرد باللاجئين إلى أيّ معطى من التاريخ والواقع، وهو لا يتجاوز الغايات السياسيّة، في محاولة لخفضِ مستوى المطالب، وتغييب القضية من طاولة الحوار، وفرض الأمر الواقع وفق معطيات الميدان والأسلوب العسكريّ في التعاطي مع الأزمة السوريّة، فالكُرد أبعد ما يكونوا عن توصيف اللاجئين.
تعريفُ اللجوءِ
الحياةُ الطبيعيّة تستلزمُ بعدين جوهريين هما: الزمانُ والمكانُ، والوطنُ هو الإطار المكانيّ الذي يرتبط فيه وجودُ الأفرادِ بهذين البعدين، ذلك لأنّ اللجوءَ هو الوجودُ الطارئ لمجموعةٍ بشريّةٍ أو أفرادٍ في جغرافيا ما، بسببِ غيابِ شروطِ الحياةِ الطبيعيّة في الوطنِ وعواملِ الخطر، ولا يُشترطُ في اللجوءِ حدٌّ معينٌ لعددِ الأفراد الذين ينتقلون عبر المكان، إلا الصفة الأساسيّة للجوء بأنّه عمليةُ بحثٍ عن الأمانِ.
منظمةُ الأممِ المتحدةِ لشؤونِ اللاجئين عرّفت اللاجئين بأنهم “أشخاصٌ لا يمكنهم العودةُ إلى بلدهم بسببِ خوفٍ له ما يبررُه من التعرّضِ للاضطهادِ أو الصراعِ أو العنفِ أو ظروفِ أخرى أخلّت بالنظامِ العام بشكلٍ كبيرٍ، وهم بالتالي بحاجةِ للحمايةِ الدوليّةِ”. وورد في معاهدة الأمم المتحدة عام 1951 الخاصة بشؤونِ اللاجئين، تعريفُ اللاجئ بأنّه من غادر وطنه “بسببِ مخاوفَ حقيقيّة من اضطهادٍ بسببِ العِرقِ، الدينِ، الجنسيّة، انتمائه إلى طائفةٍ اجتماعيّةٍ معينةٍ أو ذاتِ رأي سياسيّ”، فهو تواجدٌ خارجَ البلدِ الذي يحملُ جنسيته، وغير قادر، أو غير راغبٍ في الاعتمادِ على حمايةِ دولته أو العودةِ إليها بسببِ المخاوف من الاضطهاد”.
ويختلفُ اللجوءُ عن النزوحِ بأنّه انتقالُ الأفرادِ أو الجماعة الطارئ من مكانٍ لآخر ضمنَ الوطنِ الواحدِ (الدولة نفسها). ولكن في ظروفٍ قاهرة يعرّضُ البقاءُ حياته للخطر، ولأسبابٍ مختلفةٍ كالكوارث الطبيعيّة (المجاعات، التصحّرِ والجفافِ، الفيضاناتِ والأعاصيرِ ومشاكلِ البيئةِ الطارئة) أو اندلاعِ الحروب، كما يُعرّفُ النازحون بأنّهم جماعاتٌ أُجبرت فجأةً على تركِ أراضيها وديارهم بشكلٍ اضطراريّ بسببِ وجودِ نزاعٍ مسلّحٍ أو تعدٍّ وانتهاكٍ لحقوقهم الإنسانيّةِ أو بسببِ العواملِ الطبيعيّةِ، ولكن دون عبور الحدودِ إلى أيّةِ دولةٍ أخرى. وبذلك فاللجوءُ والنزوحُ يختلفان عن الهجرةِ التي تعتبرُ فعلاً إراديّاً يتطلبُ إعداداً مسبقاً وتخطيطاً، وينتفي فيها الخطرُ على الحياةِ.
الكُرد… قضيةٌ مستوفيةٌ أركانَها
يعتبرُ الوجودُ الكرديّ من القضايا التي لم تحسم من ناحيةِ التوصيفِ، وأيّ حديثٍ عن اللجوءِ والهجرةِ له علاقةُ بالمسائل الحقوقيّة وهو وثيقٌ الارتباطِ بالزمن (البعد التاريخيّ)، والمكان (الموطن).
رغم أنّ توصيفَ الكرد باللاجئين يتجاوز الظروف وظاهرَ التوصيف ليكون ذي بعدٍ سياسيّ، بعد تسع سنوات من الحربِ والاستهداف المباشر للكردِ في قراهم وبلداتهم واحتلال تركيا لعفرين في 18/3/2018 بعد حربٍ لشهرين وكذلك احتلالها لسري كانيه/ رأس العين بعد عدوان 9/10/2019، وتحوّلهم إلى نازحين ومهجّرين وسكانٍ للمخيماتِ. وما دام الكردُ يتمتعون بالهويةِ الوطنيّةِ السوريّة، فإنّ العدوانَ على مناطقهم هو انتهاكٌ للسيادةِ الوطنيّةِ واحتلالٌ سافرٌ غير مشروعٌ وكلّ الإجراءاتِ التي يتخذها الاحتلالُ في مناطقهم من قبيل التغييرِ الديمغرافيّ وتغييرِ الهويةِ الثقافيّة للمناطق فاقدةُ الشرعيّةِ، وهي إجراءاتٌ عدوانيّةٌ باطلةٌ.
إنّ من أهمّ مفرزات الأزمة السوريّة أنّها طرحت القضية الكرديّة بأبعادها الواقعيّةِ، وأبرزت اختلافها الجوهريّ عن باقي التناقضاتِ في الوطنِ السوريّ، ذلك لأنّ الصراعَ المسلّحَ أخذ طابعَ التنافسِ على السلطة، فإما الاحتفاظُ بها أو الوصولُ إليها، وينتمي طرفا الصراعِ إلى المكوّنِ العرقيّ نفسه، مع اختلافٍ بالتموضعِ السياسيّ وكذلك في علاقاتهما الخارجيّة وارتباطاتهما، إلا أنّهما متفقان تجاه الكردِ ونفي وجودِ قضيةٍ كرديّةٍ في سوريا، وفي توصيفِ الوطن السوريّ قوميّاً بلونٍ واحدٍ.
إنّ توصيفَ الحالة الكرديّة في سوريا بالقضيةِ لا ينطوي على مبالغةٍ، إذ أكّدتِ الأحداثُ المخاطر الوجوديّة بحقهم، والمسألة لا تتعلقُ بالعدوانِ التركيّ فقط بل الأخطرُ اشتراك سوريين في الحرب عليهم وإعادة صياغة مناطقهم عبر استباحتها وممارسة كلّ أنواع الانتهاكاتِ من قتلٍ وخطفٍ وسلبٍ وتجريدٍ من الملكياتِ، وصولاً إلى قطع الجذورِ التاريخيّة لوجودهم وتوصيفهم باللاجئين.
إنّ تحويل القضية الكرديّة إلى ملفٍ أمنيّ يتم تداوله بين الدول ومواجهة الكردِ على الدوامِ بالأساليبِ الأمنيّة والعسكريّة داخل الوطن وعبر الحدودِ ينطوي على تناقضٍ، لأنّ الملفاتِ هي مسائلٌ طارئةٌ وتتعلق بجانبِ من جوانب الحياة، وأما مسألةُ إنكارِ الوجودِ الطبيعيّ وانتقاصُ حقوقِ المواطنةِ وعدمُ توفر الضماناتِ لبيئةٍ آمنةٍ للحياةِ فهي قضيةٌ متكاملةُ الأركانِ سياسيّاً واجتماعيّا وثقافيّاً، ولا يجوزُ اختزالها لتكونَ في عُهدةِ المؤسساتِ الأمنيّة، بل تستلزمُ حلاً وطنيّاً، وإعادةَ النظرِ في الأطرِ القانونيّة، وصياغة مبادئ ما فوق دستوريّة تكفلُ السلمَ الاجتماعيّ والعيشَ المشتركَ والإقرارَ بالشراكةِ الوطنيّة.
لم تنسَ الذاكرةُ الكرديّةُ معاناةَ التجريدِ من الجنسيةِ السوريّةِ والحرمان منها بسببِ قانونِ الإحصاءِ الجائرِ الذي نُفذ في عجالةٍ استناداً للمرسومِ التشريعيّ رقم 39 تاريخ 23/8/1962، واستمر نصف قرنٍ، وحتى مطلع عام 2011 بلغ عدد المشمولين باسمِ أجانب الحسكة (346242) مواطن، وعدد مكتومي القيد (171300) مواطن، وكان من الممكن استمرار القانون لولا ظروفُ الأزمةِ السوريّةِ، وصدورُ المرسومِ التشريعيّ رقم (49) بتاريخ 7/4/2011.
نزوحٌ كرديّ أو لجوء





