سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

صفحات سوريّة تكتب بالدم

إلهام أحمد –
سبع سنين يسيلُ فيها الدمُ السوريّ لكلّ شاردةٍ وواردةٍ ولكلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، فغزاة سوريا لا يهمّهم الدمُ السوريّ، فيما السوريّ الذي ظهر باسم الثورة وقاتل باسم سوريا أصبح همّه كلَّ شيءٍ إلا الدم السوريّ. وأما الحلُّ السياسيّ وعملية التغيير والتحوّل الديمقراطيّ فمشروعٌ مطروحٌ على الطاولة منذ بدايات الأحداث، وحتى قبلها أيضاً، لكنه جُوبه بالرفض دائماً حتى الآن. علماً أنّ عملية التغيير الديمقراطيّ تحتاج لقليلٍ من التنازل لأهل الوطن نفسه، وليس للغرباء كما يحدث الآن. قليلٌ التنازل كان سينقذ البلد من الخراب والدمار والهول والهلاك العظيم. قليلٌ من العقلانيّةِ الآن لابد أنّه سينقذُ ما تبقّى من أرواح وعمران، والعقلانيّة ليست بمواصلة ما بدأت به الأطراف والسير حسب مبدأ حكم القوي على الضعيف، بل العقلانيّة تعني البدء بخطوات جادّة لإنهاء الحرب وإنقاذ سوريا من أهوال تنهشِ جسدَها وقضمه قطعةً قطعةً.
لا زال الحلُّ السياسيّ يطرحُ نفسه على الساحة بقوةٍ أكثر من أيّ وقت مضى، والأطرافُ لا تُعير الاهتمام له ظناً منها أنَّها بالحرب قادرةٌ على حسم النتيجة لصالحها، لكن هذا الحسم ظاهريّ فقط، ولن يكون بالطبع حلاً مقبولاً طوعيّاً، لأنّه سيُفرض بالإجبار، والإكراه هو سيّد القرار بالمسألة، وبالتالي فإنّ احتمالات تجدُّدِ الصراع بأشكالٍ جديدةٍ واردةٌ بكلِّ الأحوالِ، فالإنسانُ بطبيعته وُلد ليعيش حرّاً، وإن لم يلقَ ذلك الحيّز، لا بد وأنّه سيبحث عنه دائماً إلى أن يلقاه، وبخاصة عندما يشعر بالغبن فلا بد أنّه سيحاول استرداد كرامته ولو في أحلك الظروف. وقد يختلف الناس حتى على فَقدِ دجاجة! ليس لأنّها غالية، ولكن رفضاً لخداع الآخرين، وكرهاً للظلم.
طبعاً خلال الأعوام الماضية تغيّرت أخلاق الناس كثيراً، وتراكمتِ الأحقادُ في نفوسهم، وأفسد الطمعُ والجشعُ أخلاقَهم، وأجبرهم الفقرُ والعوزُ على السيرِ في مسالك غير شرعيّة لكسبِ الرزقِ. ولجأتِ المرأةُ لبيوت الدعارة لترعى أطفالها اليتامى. لأنّ الحرب دمّرت الحجرَ والبشرَ، أحرقتِ الأخضر واليابس، أفسدت كلّ جميلٍ، فقط ليعيشَ الأمراء في قصورهم بسلامٍ ومعبئين بالجواهر.
سياساتٌ تُرسم لسوريا، وليس للسوريين مصلحة فيها، فالجميعُ رافضٌ لفكرةِ الاحتلال والتدخّل الخارجيّ جملة وتفصيلاً، وكلُّ البياناتِ تبدأ بشعارِ الحفاظ على وحدة الأراضي السوريّة، ولكن عمليّاً لم يثبت ذلك، فمن اتّهم الكرد بالسعي لتقسيم الأراضي السوريّة، يقوم اليوم بعمليات استفتاء وتحريض لتعبئة الناس على إلحاق مناطق درع الفرات بالدولة التركيّة، ومن اتّهم الكرد بالتهجير القسريّ للعرب، يمارسُ تلك السياسات منذ أعوام بحقِّ الشعب الكرديّ بمناطق الشهباء وعفرين. إذاً القصة ليست شعاراتٍ تُرفع لهدفٍ معينٍ، إنّما المشاريع المخفية خلف شعاراتٍ برّاقةٍ. فالبعضُ ينادي بوحدةِ الأراضي السوريّة، لكنه يتّحد مع المشاريع التقسيميّة ويخدمها لصالح دولة مجاورة فقط لتأمين ارتزاقه المؤقّت اليومي. وسيأتي يومٌ تنتهي مهام المرتزقة وتراهم إمّا مرميين جثثاً في شوارع إحدى المدن التركية، أو مطرودين من كلّ بلاد الإنس.
وبالنتيجة يُعتبر هؤلاء متدخلين بالشأن السوريّ، ومفعولاً بهم بنفس الوقت، لأنّهم بأفعالهم يفقدون الهوية السوريّة، ويكتسبون هوية أجنبيّة، وبها يحاربون الهوية السوريّة. أما من حكم البلاد، وائتمر أيضاً بتوجيهات خارجيّة من قوى تدخّلت بالشأن السوريّ، فلا يمكنه أن يأخذ قراره باستقلاليّة، فالقرار السوريّ مصادرٌ من قبل قوى دخيلة.
فلأجل إنقاذ سوريا من حالة التشتت والتشرذم لا بدَّ أولاً من أن يستعيد السوريون قرارهم وإرادتهم المسلوبة. كي يكونوا قادرين على حلّ قضاياهم بما يناسب السوريين، ولا بد أن يضع الجميع المصلحة السوريّة فوق كلّ المصالح. فالمصلحة السوريّة تعني مصلحة السوريين بكلّ ثقافاتهم وانتماءاتهم القوميّة.
فالنظام وطوال عشرات الأعوام أنكر التنوع الثقافيّ والقوميّ في نسيج المجتمع السوريّ، وعرّف الكلّ بالعروبة التي نخرت بجسد الأمة السوريّة وفتتها وشتتها تحت شعارات كالوحدة العربيّة والاشتراكية، ومطابقة العروبة بالإسلامويّة، والآن وبعد سبع سنين من الدمار لا تزال تلك الشعارات مرفوعة، ولا يقتنعون أنّها هي سببُ كلِّ البلاء. مع العلم أنّ الإصرار على هذه الشعارات يعني الإصرار على استمرار الأزمة والحرب. إذ لا بد من البدء بمرحلة جديدة من عملية إعادة البناء، ليس بالأبنية والسكن، وإنما بالعقول والذهنيّة والثقافة، وهذا ما نسمّيه بالثورة الفكريّة الثقافيّة.
بدون الثورة الثقافيّة، مهما تغيّرت القوانين، ومهما تغيّر شكل الأبنية، إلا أنّها لن تحقق الحرية والاستقرار للمجتمع، والثورة الثقافيّة لن تتحقق إلا إذا اقتنع الجميع بأنّهم سائرون على الدرب الخاطئ، ولا بد من التراجع عنه ليترك حيزاً من التفكير والبدء من جديد بأسلوب يخدم المصلحة العامة. وكلّ هذا لن يأتي من نفسه، إنّما ببذل الجهود للوصول إلى الحلّ النهائيّ للازمة.
سوريا يمكن أن تكون النموذج الذي أُشبع من التناقضات والخلافات، ولم يبقَ أمامها سوى البحث عن سبيل يحقّق الآمال التي علّقت عليها الأمل منذ سنين فأوصلتها إلى هذه الحال نتيجة سلوكها الأسلوب الخاطئ وتقليدها المجرَّب دون إبداع أسلوبٍ جديدٍ يوصلها إلى الهدف.

التعليقات مغلقة.