سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

المعنى…ضمير الكلمة

أزهر أحمد –
لم تمنعه شدة حرارة تموز الملتهبة عن الخروج من بيته, لا يعرف إلى أين يذهب, مترددٌ في أيّ اتجاه يسير, وهو منفعل ليس على لسانه سوى (إذا فقدت الكلمة معناها فُقد الضمير). وهو ينظر إلى هاتفه النقال ويخاطبه: أصبحت أكرهك أيها الهاتف اللعين، لماذا ترضى أن يدنسك الخونة، لماذا ترضى أن تغيّر الحقائق،… لماذا؟
استغربت وأنا أتأمل العم أبا نسرين ذاك الرجل الهادئ وهو بهذه العصبيّة، شدّني الفضول للاقتراب منه أكثر فأكثر، ارتفع صوته أكثر مع ارتفاع يده كي يحطم هاتفه وفي اللحظات الأخيرة تمكّنت من تهدئته وأمسكت بيده، راجياً أن يجلس، خاطبته بهدوء: أرجوك اجلس، طلبت له كأسَ ماءٍ بارد لتروي عطشه، وأردفت: ما بك أيّها العم العزيز, فإذا به يقول: انظر, اقرأ ماذا كتب من يدّعي الثقافة, وارتضى بكلامه هذا الهاتف اللعين؛ انظر..
فإذا بكلمات من مثقف يقول فيها (لكم أن تعرفوا الحقائق بعد سبع سنين عجاف وهو يدافع بأغلى ما لديه، حرَّفتم تسجيل كلّ شيءٍ بنيتم قصوراً من أوهام على أنّه المستقبل حاولتم سجن الفكر واستلاب الأنفس) ألا يستحق هذا الهاتف أن أكسره على رأس ذاك المثقف.
ألست مُحقاً يا أستاذ! استغربت تلك الكلمات من مثقف، كلمات تفتقد للحقيقة، أثارت حفيظةَ العم أبي نسرين، أيقنت أنّه على حق فقلت له: لا تنزعج أيها العم، وعاد لحديثه: يقول المثقف عليكم أن تعرفوا الحقائق… أقول له ولهم ولمن لا يريد معرفة الحقائق، اليوم يستطيع كلٌّ منا أن يقول أنا موجود، بلوني ولغتي، لي برنامج وفلسفة ورؤية للمستقبل, ذاك المثقف نفسه يرسل أولاده ليتعلم في مدارس مستعمره، ذاك المثقف نفسه من شجّع أولاده للهروب خارج الوطن، يا فاقد الوجدان: أنا من دفعت بأغلى ما لديّ وليس ذاك المثقف الانتهازيّ، أنا الحقيقة, أنا من ضحّى بفلذة كبده شهيداً… نعم أنا خسرت روحاً, كي ينعم الجميع بحقوقهم.
يقول المثقف إنّكم حرفتم كلَّ شيء؛ هل كانت روايات المستعمر وهو ينشرها و يدرسها في مدارسه بأنّنا أقوامٌ غجر، وحوش متخلفون، هي الحقائق؟ هل عندما أعدنا لغة الأم وأنشودة «هي رقيب» وجامعة روج آفا كنا نغيّر الحقائق؟ ألم نتباهى بشهادات وصور قاتل شعبنا، أليست مزوبوتاميا حقيقة؟ ألسنا نحن من وقف ضد فكر الدولة والسلطة وداعش؟ ألسنا نحن من نشر فلسفة أخوة الشعوب لتزال جدران الوهم والخوف بين الأمم، أيّة حقائق أيّها المثقف المتناسي؟
ما زلت أتذكر كلمات ابنتي نسرين عندما كتبت لي: (إنّ الشهيدة فيان آمارا كانت تقول في رسائلها «تفقد الكلمة معناها فيبتعد عنها الضمير، ويكون الإنسان في غفلة من الضمير وتسقط الأخلاق وستكون في النهاية الخيانة تماماً كالحرب بين «أهريمان وأهورامزدا».
ألا يحقُّ لي أن أغضب يا أستاذ؟ لا تندهش أيّها العم العزيز فالخيانة أرجوحةٌ مازالت تمزق ما بداخل جسد شعبنا، وتجاوزت حدود قتل الجسد. والمثقف هو ذاك المدافع عن الحقائق أينما وجدت والمنير للزاوية المظلمة من حياة الشعوب. حان الوقت أن نفكر معاً أيها العم، أيّها المثقفون لنتحدث جيّداً ونعمل جيّداً، هذا صراع سيكون المنتصر فيه نور آهورمزدا.

التعليقات مغلقة.