سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

علي الجميلي: “الأمة الديمقراطية.. منصَّة تنويرية للأجيال القادمة”

تقرير/ آزاد كردي-

أكد الإداري في مؤسسة الأديان بمدينة منبج وريفها علي الجميلي: “لقد جسَّد المفكر عبد الله أوجلان؛ بمخزونه الفكري العميق، ما يعبر به عن معايير كثيرة لحل أزمات الشرق الأوسط المُعقّدة مُنذ تاريخ البشرية الطويل، عبر طرحه لمفهوم “الأمة الديمقراطية”؛ باعتباره النموذج الفكري الأصلح والأشمل بكل أبعاده ومعطياته الواقعية والعقائدية التي تتقاطع والعديد من تعاليم الأديان ولا سيما الديانة الإسلامية”. وأشار إلى أنّ المجتمع على اختلافه بمنظور الأمة الديمقراطية مبني على الأخلاق التي تعتبر لدى القائد أوجلان بمثابة العمود الفقري؛ الناهض بهذا البنيان العظيم، ولكل الإنسانية جمعاء الرامية إلى العيش بسلام.
منذ قرون طويلة من تاريخ البشرية؛ عجز المفكرون والفلاسفة عن إيجاد مفهوم واضح لمستوى العلاقات الاجتماعية المُختلفة، وكيفية ارتباط هذه العلاقات مع بعضها البعض، خاصة أنّ” الطوطم” أو” القيم الأخلاقية”، لا تُمثّل جوهراً واحداً بالبحث عن المجتمع المثالي للإنسانية جمعاء ولا سيّما الشرق الأوسط المُتأجج المُتفاقم بالأزمات الأخلاقية، في مقابل ذلك، كان المُفكر عبد الله أوجلان؛ أحّد الذين تمكنوا من تفسير هذه الظاهرة بشكل منقطع النظير وتوضيح أسباب فشله؛ من خلال ابتعاد المجتمع عن أركان الأخلاق في الوقت الراهن، وهذا يشكل عجزاً في توازن المصالح بفكر الأمة الديمقراطية وبين منظومة المجتمع الأخلاقية. ولمعرفة المزيد عن تأثير فكر القائد عبد الله أوجلان في شعوب الشرق الأوسط؛ التقت صحيفتنا “روناهي” بالإداري في مؤسسة الأديان بمدينة منبج وريفها علي الجميلي.   
ثورةٌ في العقولِ والأفكارِ
بداية، وحول حاجة المجتمع إلى التغيير الأخلاقي، حدثنا الجميلي؛ قائلاً: “لقد مثلت فلسفة الأمة الديمقراطية؛ ثورة فكرية بأعلى المقاييس ليس على مستوى سوريا فقط، وإنما على مستوى البشرية أيضاً؛ وذلك لسبب واحد هو أن هذه الفلسفة كانت نقطة التقاء عدة علوم عقائدية واجتماعية وسياسية واقتصادية وأنثروبولوجيا، بحيث أنّ هذا الالتقاء لم يتحقق عند أغلب المفكرين والفلاسفة الذين حاولوا إيجاد حلول وصيغ مناسبة لمواءمة الفكر وما ينتجه من أفكار خلاقة وبين قابليته على التطبيق فعلياً عدا عن كونه لا يخدم سوى الفئة التي تمثل الطبقة التي تتبنى صناعته أيديولوجياً. وتعتبر كل النظريات الفلسفية التي جاءت من قبل سبينوزا، وديكارت، وماركس، في تحديد نظم العلاقات العامة بين شرائح المجتمع وأنظمة الحكم؛ تمثل في أغلبها نصف حلول لمشاكل مجتمعية، وبقيت عاجزة عن الحل لفترة طويلة من التاريخ، بما أنتجته ثورة الفكر الذهنية التي قادها المفكر عبد الله أوجلان على صعيد ثورة تغيير المجتمع، وهذا ما لم يُتاح عند غيره من المفكرين والفلاسفة. يمكن القول، إنّ ثورة الأمة الديمقراطية، ثورة إصلاحية بمضامينها المُعقدة المتأصلة الأصولية، وبما تحملها من فكر تراكمي تاريخي طويل محمول بالعشرات من المؤلفات العظيمة، حيث تكون هذه الثورة في المجتمع الوحيدة القادرة على التغيير في الوقت الراهن، بينما كانت كل مؤلفات المفكرين السابقة، تبحث في شكلانية الظاهرة الاجتماعية دون الالتفات إلى المعايير الأخلاقية في جوهر “الأمة الديمقراطية”، إذ نرى أبعادها حالياً في الأنموذج الواقعي التاريخي الديني الحيوي في المجتمع، فالثورة تحققت قبل ولادة هذا الفكر على أرض الواقع حين استمر مخاضه ثلاثين عاماً في فكر المفكر عبد الله أوجلان، وتترجم فيما بعد بمفهوم “الأمة الديمقراطية” نموذجاً حياً وملموساً”.
من النصوص المقدسة إلى الكتب الرقمية
لقد نظر المفكر “عبد الله أوجلان” للمجتمع على أساس أنه مكون من السياسة والأخلاق، فضلاً عن الوسط أو البيئة الحاضنة لتلك التكوينة. وهو بذلك، يبني فكره على الأخلاق بما يحمله المشرق من مخزون فكري كبير على مرِّ العصور، تجسد بثورتين اثنتين، حيث إنّ ما سجلته الأرقام الطينية الموجودة بهذه المنطقة، تشير إلى حدوث ثورة نيولوتية ولغوية وفكرية على مستوى بحث الإنسان عن الحقيقة في ملحمة “جلجاميش”؛ أي نحو قبل 2750سنة ق.م، بما حملته من رموز وإشارات تعبيرية عن تلك الشعوب، تمثل بمحاولة الإنسان إلى تغيير السائد المغالط آنذاك. أمّا الثورة الثانية، فهي ثورة المفكر عبد الله أوجلان الذي انتقد فيها تاريخياً قراءة التاريخ، وبحث في”الديالكتيك”، حيث اعتبر أنّ المجتمع الطبيعي قبل دخول قانونية الدولة وفرضها نوعاً من الأطر العامة على المجتمع من خلال شكله الهرمي الجديد، وهو يتفق أيضاً مع الفيلسوف جان جاك روسو الذي اعتبر أنّ الإنسان حر لولا قيود الهرمية المكبلة معه مُنذ ولادته وحتى فترة لاحقة من عمره. بينما تمكن المفكر عبد الله أوجلان، من توصيف المشكلة وأسبابها ونتائجها عن طريق قراءة عميقة، فيما جاء من ثورة إسلامية عقائدية في مفاصل الحياة وثورة أخرى تتقاطع بهذه المفاصل بكثير من القضايا الاجتماعية، وأهمها: الأمر الأول؛ أن اصطلاح الأمة الديمقراطية، كنموذج إصلاحي شامل على نقيض واسع في غيرها من الفلسفات التي عجزت أن تجد أواصر قربى مع غيرها من الأنظمة والتشريعات والفلسفات. وأكد الجميلي في هذا الصّدد: “أمّا ما يُميز مفهوم “الأمة الديمقراطية”، أنها كانت نظيرة للثورة العقائدية الإسلامية المفعمة بالإنسانية، في حين بقيت فلسفات الحداثة الرأسمالية تزاحم غيرها من الفلسفات الأخرى وتهمين بجبروتها على بنيوية الأزمة في الشرق الأوسط دون أن تجد لها إذن عبور أو ممر نافذ للمجتمع. فمثلاً، لقد تمكن النبي محمد من طرح وثيقة المدينة التي على أساسها، وقد حدد جملة من البنود الإصلاحية الشاملة نتج عنها؛ ضمان حقوق أطياف المجتمع كافة آنذاك، وهو بذلك، يماثل طرح “الأمة الديمقراطية”، بمبدأ القائل بأخوّة الشعوب والتعايش المشترك. الأمر الثاني, لقد تميزت الأمة الديمقراطية؛ باستنادها على مبدأ التعايش الاجتماعي من خلال احترام الأديان لبعضها البعض دون أي إكراه أو تعنيف، وهو ما ينسخ معه النص العقائدي من حيث ضمان التكافل الاجتماعي لكافة الشعوب، وفقاً للقاعدة الشرعية “الأمور بمقاصدها”. الأمر الثالث؛ ويعتبر الأهم، أنّ المفكر عبد الله أوجلان الذي أنتج هذه الفلسفة، وهو مزارع من بيئة إسلامية بسيطة، ومن أسرة فقيرة، وحافظ للقرآن، بمعنى أنه يلمُّ بالأمور العقائدية وارتباطها بحاجات الناس والمجتمع. بينما الحال                                                                                                                                                                                                                                                               يختلف عند غيره من المفكرين الآخرين الذين لا يعيشون التجربة ذاتها وتبقى طروحاتهم مجرد تجربة استقرائية أو هي من وحي المشاهدات فحسب، فضلاً عن ذلك الأمر، فهو من باب أولى أن اتبع رجلاً مفكراً يقدم لي فكراً متجدداً متجانساً يناسب بيئتي وحياتي على مفكر آخر بعيد كل البعد عن اهتماماتي أيضاً”.
في معنى الإصلاح ورهاناته، إشكالية السلطة
ونوَّه الإداري بمؤسسة الأديان في مدينة منبج وريفها علي الجميلي في حديثه عن كيفية إصلاح المفاسد بموجب الأمة الديمقراطية؛ قائلاً: “منذ تشكل نظام الدولة على يد السومريين، حاولت فئات من الناس استغلال الظروف المختلفة؛ لتهيئة المناخ للسيطرة على العالم كله بأشكال مُختلفة، وهذا الأمر مُلازم للطبيعة البشرية تماماً، منذ خلق آدم وحواء. بحيث بدأ الصراع بين الخير والشر. ولهذا؛ كان كلما ازدادت آثام المجتمع بابتعادهم عن الصلاح وانتشار الفساد، كانت الحاجة مُلحِّة أكثر إلى إرسال الرسل أو المفكرين الملهمين المجددين عبر اتخاذهم من أنفسهم منبراً إصلاحياً من براثن المجتمع الموحلة الآسنة. لهذا؛ تعتبر “الأمة الديمقراطية” بأبعادها الرحبة فضاء من فضاءات الفكر الإسلامي المُتجدد. وبالمناسبة هؤلاء ممن يقومون على الانبعاث للتجديد، لا يولدون بالمصادفة وهم في مجتمعاتهم الضيقة قلة قليلة؛ نتيجة اعتمادهم على نسق معرفي مُتعدِّد وينهلون مشارب عدِّة، بينما نرى آخرون يبدؤون نتاجاتهم لفترة وجيزة، ومن ثم يخفتون تدريجياً، وذلك لسبب واحد؛ قصورهم على اعتماد مناهج بحث ودراسات مختلفة، وهي الميثولوجيا والفلسفة والدين والعلم. ومن هنا، لا غرابة، أن تجد مفهوم “الأمة الديمقراطية”، تعتمد في عمودها الفقري على بنيوية الأخلاق الفطرية السليمة، فتستقيم أبعاد المجتمع عموماً. نافل القول إنّ هناك تلازماً تاماً بين مُعادلة أخلاقية فريدة، فإذا كان هذا التلازم تلازماً صحيحاً ومطابقاً على أرض الواقع؛ فإنه قد بلغ الإصلاح مبتغاه، وإذا كان الأمر على غير هذا، فإن هناك خطأ ما ويفترض الوقوف عليه من خلال ما يسمى “النقد والنقد الذاتي”، وهذا ما يقابله بالإسلام أيضاً “أعظم جهاد، هو جهاد النفس”، و”حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا”، وبالتالي، فإن الصيغة المطروحة، هي اختبار النفس أولاً للشروع فيما بعدها للتغيير اجتماعياً، وإلا فإنّ الأمر سيكون لا محالة عكسياً، وسينزغ من بعد ذلك في غياهب النفس نوازغ السلطة السيئة”.
أفول نماذج وولادة نماذج أخرى، الأمة الديمقراطية أنموذجٌ
وحول مصلحة المجتمع بالبحث عن الفضيلة وحقيقة الأخلاق بما يتناسب مع فكر متجدد؛ بتطبيق فلسفة “الأمة الديمقراطية”؛ أشار الإداري بمؤسسة الأديان بمدينة منبج وريفها علي الجميلي؛ قائلاً: “تعتبر معايير الأمة الديمقراطية المطروحة؛ بفلسفة المفكر “عبد الله أوجلان”؛ الأكثر تطوراً وانسجاماً مع التشريع الإسلامي وأكثرها تقدماً بطرحها للإرادة الإنسانية الحرّة، وجاءت ممهورة بعبارات فلسفية براقة، غير أنّها كانت تحمل في مدلولاتها معان دفاقة، فما يعبر عند  عبد الله أوجلان بقوله “الفرد الحر” في سياق إحالة الإنسان على شاكلة ذاك الإنسان الخالي من القيود التي تحيطه عبداً وتُصيِّره رهين القوانين الراديكالية. كما أنّ نظرته تتسم بأنها تجعله حراً في خياراته السياسية والاجتماعية، ولا سيما منها العقائدي. ولذا؛ كانت ثورة روج آفا التي انبثقت عنها أول ثورة على مستويات عدة، منها العقائدي التحرري بكسر تحنيط العبودية وتسلط البشر على بعضهم البعض؛ على نحو ما جاء في كتابه “القضية الكردية” الذي أعاد فيه رسم  العديد من ملامح “الفرد الحر” بطريقة مدهشة تتقاطع وكثير من جزئياتها بالفكر الإسلامي الذي لما جاء إلى مجتمع “مكة المكرمة”، فإنه طرح ذات الأمر، وهو انعتاق العبيد من أسر النظام الطبقي المُدقع ومنهم؛ بلال بن رباح وعمّار بن ياسر وغيرهم. أمّا ما طرحه المفكر “عبد الله أوجلان” في هذا الصدد، فهو ذات التصور الذي منح الإنسان قدرة على تخطي الواقع الاجتماعي المُنصهر بعادات وتقاليد عدِّة، مرتبطة بأطوار الدولة القومية التي تحولت مع مرور الوقت إلى نشاز أخلاقي وداء مستديم يستحيل شفاء المجتمع منه؛ بظل فرضها احتكار السلطة”. 
الانتقال الديمقراطي بالمجتمع، قراءة في سياقاتها والنتائج
وعن الكيفية التي ينتقل فيها المجتمع إلى الشكل الديمقراطي؛ بيّن الإداري في مؤسسة الأديان بمدينة منبج وريفها علي الجميلي؛ قائلاً: “نظر المفكر عبد الله أوجلان إلى قضية التغيير عبر اعتماد الذهنية أولاً عبر الاستناد إلى مراكز التدريب والتأهيل لصناعة المجتمع المُعد أخلاقياً، ومن ثم البحث في قضية الاستقلال الديمقراطي التي من شأنها حرمان السلطة؛ التغلغل في ثنايا المجتمع وإعادة صياغة جذورها ووجودها من جديد وفق محور أزلام معدودين محسوبين على بعضهم البعض، وهو ما حدث حينما بدأ النبي محمد ثورته بدعوته إلى هدم مفهوم الطبقية التي كانت تُمارس من قبل أُناس معدودين عند قريش، مكّنتهم المكانة الاجتماعية من الوصول إلى هذا التبوّء السياسي الاجتماعي، وحرمان باقي طبقات المجتمع من التداول في السلطة. وبالتالي، فهذا الطرح، من شأنه خلق أبعاد متقاربة بين الأمة الديمقراطية واستبعادها خيار “المونارشية”؛ التي توالت على هذه المنطقة دون تحقيق استفادة لشرائح المجتمع كافة. وما يعين على الخروج من هذا المأزق؛ إنشاء قاعدة شعبية كبيرة من الشعب لما يسمى حالياً “بالإدارة الذاتية”، بديلاً طبيعياً عن النظام السائد سابقاً. ومن ضمن الأمور التي نادت بها الأمة الديمقراطية على صعيد تحرر المجتمع؛ إعلاء شأن المرأة اجتماعياً بعدما أنهكتها الحداثة الرأسمالية في صراع طويل ومرير للسيطرة على إرادتها، وجعلها عبدة، أو ملكة السلع، حيث اعتبرها المفكر عبد الله أوجلان في غضون حديثه عن وصفه لحالها بقوله: “المرأة ليست عاملة مجانية وحسب، بل عاملة وأرخص يد عاملة، وأداة رئيسية لتخفيض الأجور، وآلة صناعية منجبة تضخ الأجيال الجديدة للنظام القائم”، وبذلك فهذا الطرح، يتسم برؤية تتقاطع والفكر الإسلامي الذي أعلى من شأن المرأة حتى وصل بها الأمر إلى مكانة اجتماعية كبيرة لم تكن تجدها من ذي قبل عند مجتمعات أخرى حتى في أوروبا نفسها سابقاً وحالياً”.

التعليقات مغلقة.