سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

عفرين… نزيفُ الاقتصادِ في ظلِّ الاحتلال

تحقيق/ رامان آزاد


اكتسبت منطقة عفرين خصوصيّة اقتصاديّةٍ استثنائيّةٍ بسببِ توفرِ عاملِ الأمانِ والاستقرار إذ نأت بنفسِها عن الانجرارِ إلى الحربِ الأهليّةِ، وحافظت على البُنى التحتيّة، والمرافقِ العامة والمؤسسات الخدميّة. ومع انقطاعِ طرقِ التواصلِ بسببِ الأزمة تحوّلت عفرين إلى عقدةِ مواصلاتٍ بين مناطقِ النزاعِ المسلّحِ، فنشطت حركةُ التجارةِ، ما عزّز عواملَ النموِ الاقتصاديّ.

تمتعت عفرين خلال أربع سنوات من عمرِ الإدارة الذاتيّة بنظامٍ اقتصاديّ قوامه على الاكتفاء الذاتيّ، اعتمد على النظام التعاونيّ التشاركيّ وتشجيعِ الاستثمارِ، ما وفّر للمنطقة ازدهاراً في مختلف الميادين (الزراعيّ والصناعيّ والتجاريّ).

كان العدوان على عفرين شاملاً لكلّ تفاصيل الحياة، ومن الطبيعيّ أن من يقصفُ بهدف القتلِ العشوائيّ لن يتورعَ عن الاستهدافِ المتعمدِ للبنيةِ التحتيّةِ والمرافقِ العامةِ والممتلكاتِ الخاصةِ بهدفِ تعطيلِ الحياةِ. وقد شهدت الأيام الأولى للعدوان قصفَ منشآتٍ حيويّة وأماكنَ لا توصيفَ عسكريّ لها كالمداجنِ والمسلخِ ومجبلِ الزفتِ، وفي 6/2/2018 استهدفت قذائفُ الاحتلالِ سد ميدانكي ومحطةَ المياهِ، ليتسببَ بقطعِ مياهِ الشربِ عن المدينة وتجاوزت نسبةِ الأضرارِ فيه 60%.

اقتصادٌ قوامه الزراعة

تشتهرُ منطقةِ عفرين بملايين الأشجار المثمرة وأهمها الزيتون، الذي يحتل المرتبة الأولى من حيث الإنتاجِ، ويصل عدد أشجار الزيتون بالمنطقة إلى 18 مليون شجرة تقريباً، وبلغ حجمُ إنتاجِ الزيت في السنواتِ الماضية نحو 270 ألف طن، ويُعرفُ زيتُ عفرين بسمعته الطيبةِ تجاريّاً في السوق المحليّة والجوار.

وتوجد بالمنطقة 295 معصرةٍ لعصر ثمارِ الزيتون واستخراج الزيتِ، حوالي ثلثها فنّية حديثة بطاقةٍ إنتاجيّةٍ كبيرة، وهناك 18 معمل للبيرين (تفل الزيتون) الذي يُستخدم للتدفئة واستخراج زيوت أخرى منه، ومعالجته حراريّاً لاستخراج الفحم الصناعيّ وزيت المطراف الذي يدخل في صناعة الصابون، وعدد المصابن 26 مصبنة، تنتج أنواع عديدة من الصابون، ويصل الإنتاج إلى 8 آلاف طن سنويّاً، وقد توقفت بسبب تعرّضها للسرقة والسطو المسلح.

وفي المنطقة أيضاً مصانع للمشروبات ومعمل كونسروة ومعملان لتعبئة المياه المعدنية، ومطاحن للحبوب وثلاث مصافٍ للنفط ونحو 20 مقلعاً لحجر البناء ومقلعين للرخام.

 ازدهار صناعيّ وتجاريّ

بعد انطلاق الأزمة السوريّة فُقدت عواملُ الأمانِ في معظم أنحاء سوريا وغرقت بالفوضى، فيما كانت عفرين تنعمُ بالأمنِ والاستقرار، ما جعلها ملاذاً آمنا لرؤوس الأموال من حلب وريفها إذ انتقلت إليها معامل ألبسة ومصانع ومشاغل صناعيّة وبعض الاستثمارات التجاريّةِ بسببِ الوضعِ الأمنيّ المتدهور بحلب، كما شجّع ذلك لعودة الشباب العاملين في دمشق وحلب ولبنان، وساهم بتطوير سوقِ العملِ وتوسعه بنقلهم خبراتهم الصناعيّة إلى معامل ومشاغل عفرين.

وفي الفترة ما بين آذار 2012 حتى قبيل العدوان تم استقطاب أكثر من 450 تاجرٍ وصناعيّ، ومن أهم الصناعات الوافدة، إنتاج الألبسة الجاهزة، والتي شملت ورش الخياطة والتطريز والكحت والطباعة، وتجاوز عددها 1100 مصنع وورشة يعمل فيها أكثر من 30 ألفاً عاملٍ، يُضاف إليها ما يقارب 300 ورشة صغيرة تعمل لحساب المصانع، إضافة لما يقارب 50 ورشة للصناعات الجلدية. ما جعل عفرين تحتل مرتبة متقدمة في صناعة وتصدير الألبسة الجاهزة وبمواصفات وجودة عالية.

في نيسان 2014 تمّ تأسيس غرفة التجارة والصناعة في عفرين، و”مجلس ترشيد الاستثمار” بهدفِ تنظيمِ العملِ بالمنطقة.

تميّزت عفرين خلال نهضتها الاقتصاديّة بإنتاج صابون الغار وتصديره إلى المحافظات السورية وسجّل إنتاج الصابون الغار عام 2017 رقماً قياسيّاً، وأنتجت ورش ومشاغل الألبسة حوالي أربعة ملايين بنطال جينز.

يضاف إلى ما سبق صناعات أخرى أقل حجماً كالورش الحرفيّة لقطع التبديل والغيار للسيارات والآلات، ومقالع الأحجار، ومعامل البطاريات، ومعامل الكونسروة وتعليب المنتجات الغذائية، وأربع مطاحن بطاقة إنتاجيّة تبلغ 120 طناً يوميّاً تؤمّن احتياجات أفران المنطقة.

من المسائل الجديرة بالملاحظة هي رسوخ ثقافة استهلاك المنتج المصنع ضمن إطار الاقتصاد المنزليّ والريفيّ والذي يعتمد على معداتٍ بسيطةٍ ويتمُّ بيعه في البازارات والأسواق الشعبيّة من المنتج مباشرةً، ويتميز بدرجة عالية من الوثوقيّة.

وقد تطورت صناعة الألبسة في ظل الأزمة بسبب الانتقال إليها من حلب، فيما ضمّت المدينة الصناعيّة الكبيرة ورشاً اعتمدت عليها المناطق المجاورة. وفي هذه الظروف انتعشتِ الأسواق التجاريّة وتوفرت معظم المواد الضروريّة رغم الحصار.

ساهم توفر الأمنِ على تحسين شروطِ العملِ والانتقال وتشغيل عدد كبير من الأيدي العاملة في الريف والحدِّ من نسبةِ البطالةِ بالمنطقةِ، ولم يقتصر الاتساع على الإنتاج فقط، بل الاستهلاك أيضاً مع انتقال آلاف العوائل من حلب نتيجة تدهور الوضع الأمنيّ فيها.

يوم الجراد سلوك يوميّ

السرقة والنهب أهم سماتٍ للمرتزقة وجوهر السياسة التركية بعفرين، وقد شهد العالم كله يوم إعلانِ احتلاِل مدينة عفرين المسمّى “يوم الجراد”، كيف زحفت جموعُ المرتزقة واللصوص إلى المدينة وأفرغتِ المحالَ التجاريّةَ وسرقتِ السياراتِ والجراراتِ والآليات الزراعيّة والمستودعات والمنشآت الصناعيّة والمؤسسات التعليميّة بما فيها جامعة عفرين والمشافي والصيدليات والمواشي، وتمَّ نهبُ نحو 60% من المنشآت والمعامل وسرقة آلاتها ومعداتها واُستهدفت البنيةُ الصناعيّة والتي تقدّر بملايين الدولارات، وقُدرّت قيمة المسروقاتِ بنحو 800 مليون دولار يُضافُ إليها أربعُ قاطراتٍ تمَّ سحبُها إلى تركيا من محطةِ راجو. ومع إضافةِ قيمةِ ما تمّ تدميره على مدى 58 يوماً من المعارك بمعدلِ 3-4 مليون دولار، فإنّ الخسائر تجاوزت عتبةَ المليار دولار قبل استكمالِ الشهر الأول من الاحتلال.

من الواضحِ أنَّ سلطاتِ أنقرة تتبعُ سياسةَ إفقارٍ كاملةٍ للمنطقةِ عبر الاستيلاءِ على الممتلكاتِ الزراعيّةِ، وتجريفِ الأراضي الزراعيّةِ وإنشاءِ قواعد عسكريّةٍ، فيما تمَّ جني محصولُ الحبوبِ ونقله إلى تركيا بدونِ تعويضِ الأهالي. ويتبعُ الاحتلالُ ومرتزقته أسوأ السياساتِ بحقِّ الأشجارِ والثروةِ الحراجيّةِ، عبر التحطيب الجائر، ليتجاوزَ عددُ الأشجارِ المقطوعة 180 ألف شجرة، بالإضافة إلى قطع أكثر من 300 شجرة معمرة، وأكثر من 15 ألف شجرة سنديان، وحرق أكثر من عشرة آلاف شجرة، وحرق مساحة 2180 دونم من المحاصيل الزراعيّة، وبلغت مساحة الأراضي المتضررة أكثر من 14 ألف هكتار.

 نماذج من سرقة موسم الزيتون

تمّ إصدار عدّة قرارات عسكريّة من الفصائل المسلحة ومن المجالس العسكريّة بمنع خروجِ الزيتِ خارج منطقةِ عفرين، دون ذكر سببٍ لتلك القرارات، ويتمُّ فرضُ بيعِ صفائح الزيتِ عبر السماسرة الذين يشترونها من الفلاحين بنصفِ القيمة، ثم يُصارُ إلى تصديرها إلى تركيا وبيعها بمبالغَ باهظةٍ. وإذ لا يمكن الإحاطةُ بكلِّ سلوكيات الاحتلالِ وابتداعِ أساليب متنوعة لسرقةِ من جملتها ضريبةُ الحماية، فإنّه يمكن الإشارة إلى نماذج منها.

ففي قرية معراته القريبة من مدينة عفرين، أصدر قياديّ بفرقةِ الحمزات قراراتٍ تصل إلى الاستيلاءِ على كامل إنتاج زيت الزيتون، وفرضَ ضريبةً جماعيّةً قدرها أربعة آلاف تنكة زيت، وبعد تدخّلٍ ووساطاتٍ محليّةٍ تمّ خفض الضريبة إلى ألفي تنكة زيت، ومُنع الأهالي من استخراج زيت الزيتون خارج تلك القرى أو بيعها أو إرسالها إلى خارج المنطقة، وحُددت أسعار منخفضة جداً لبيعها بالداخل.

في ناحية بلبله فقد فرض المرتزقة ضريبة ألف ل.س عن كلّ شجرة زيتون، للسماح بجني محصول الزيتون، واُستبدل القرارُ لاحقاً بتغريم سكان القرية بـ300 تنكة من زيت الزيتون من إنتاجِ محصول القرية، التي هجرها معظم سكانها وأوكلوا لمَن بقي فيها مهمّة جني محاصيل الزيتون، فيما عمدت فصائل بناحية ميدان إكبس لسرقة الزيتون، ثم تقطيع أشجار مزارع هجرها سكانها، وتحطيبها وبيعها.

طالبتِ المجالس المحليّة مالكي معاصر الزيتون بتحويل 10% من نسبة إنتاج الزيتون لصالحها، و5% لصالح المعصرة، إلا أنّ المرتزقة لم يلتزموا حتى بالقرار، وفرضوا إتاوات كبيرة على السكان وعلى الأراضي التي هجر أصحابها من المنطقة والحجة جاهزة على الدوام لمصادرة كامل الممتلكات والاستيلاء على كروم الزيتون بتلفيق تهمة أو الاتهام بالانتماء أو العلاقة بوحدات حماية الشعب ويذكر أنّ نحو 140 معصرة تعرضت للسرقة.

وفيما يتعلق بتسويق الزيت فقد فرض المرتزقة أسعاراً متدنيةً على الزيت هي أدنى من كلفةِ الإنتاجِ، وأقلُّ من نصفِ الأسعارِ الحقيقية في السوقِ السوريّة والبالغة نحو 50 دولاراً أمريكياً لعبوة الزيتِ التي سعتها 16 كغ، وربع أسعارها بالأسواق العالميّة، ووفق تقارير عالمية بلغت إيرادات بيع زيت عفرين في أسواق الاتحاد الأوروبيّ 130 مليون يورو.

 تصدير الزيت المسروق إلى أوروبا

تحدّثت مصادر محلية من عفرين عن إرسال الحكومة التركية فريقاً تابعاً لغرفة التجاريّة التركية، لشراء زيت الزيتون من المدنيين بأسعار منخفضة جداً، حيث حدّد الفريق التركي أن الحدّ الأعلى لبيع تنكة الزيت الواحدة، والتي يُقدّر وزنها الصافي بـ١٦ كغ هو ٣٤ دولار، أي بنصف سعرها المتعارف عليه بالأسواق سابقاً، قبل احتلال المنطقة. وإذ يفضّلُ الأهالي الاحتفاظَ بكاملِ الموسمِ في بيوتهم إلا أنّهم يخشون عمليات السطو والسرقة.

وأوردت تقارير إعلاميّة بالصحافةِ الأوروبيّة عن بيع زيت عفرين في الأسواق الأوروبيّة عبر تركيا، حيث نشر موقع صحيفة بابليكو El Público” الإسبانيّة على الإنترنت تقريراً تحت عنوان ” تركيا تحاول بيع زيت الزيتون بشكل غير قانونيّ في إسبانيا” إنّ الحكومة التركيّة تستخدم عدداً من الشركات الوسيطة لتصدير الزيت الذي يتمّ الاستيلاء عليه من الفلاحين في عفرين إلى إسبانيا. ونقل الموقع عن مصادر محلية قولها إن الزيت المنهوب يتم خلطه بالزيت التركي قبل أن يصدر بأسماء وهمية وقدّر الموقع قيمة الزيت المنهوب من قبل تركيا من عفرين بنحو 70 مليون يورو وربع ذلك المبلغ حصة الجماعات المسلحة المتمركزة في عفرين.

في 20/1/2019 نشر موقع BBC تقريراً بعنوان “زيتون عفرين تحوّل إلى “مصدر دخل” للجماعات المسلحة”، ذكر فيه اعتراف وزير الزراعة التركي في تشرين الثاني 2018 باستيلاء تركيا على محصول الزيتون في عفرين وبيعه، وقال الوزير التركي خلال جلسات للبرلمان التركي حول موازنة عام 2019 “إننا في الحكومة نريد أن نضع أيدينا على موارد عفرين بطريقة أو أخرى”

ونقلت صحيفة زمان التركية عن المرصد السوريّ لحقوق الإنسان ومنظمات دوليّة أخرى، مثل “Bernhard Guhl” السويسريّة، خبر سطو القوات التركية على زيتون عفرين والمناطق الخاضعة لها في شمال سوريا. ومن جهتها قالت Bernhard Guhl السويسريّة، إنّ تركيا والقوات الموالية نهبت ولا تزال، مزارع الزيتون في عفرين لبيع زيته في إسبانيا. وتُشير المصادر المحلية للصحيفة التركية إلى أن أنقرة حصلت على 80 مليون دولار أمريكي من عائدات زيت الزيتون المنهوب من سوريا في الأسواق العالمية، بعد بيع نحو خمسة آلاف طن من زيت الزيتون. ونقلت صحيفة ديلي تليغراف البريطانيّة عن نائب في البرلمان السويسريّ قوله إنَّ تركيا قامت بسرقة زيت الزيتون من سوريا وبيعه في الأسواق الأوروبيّة على أنه منتجٌ تركيّ.

عامان من استنزافِ الاقتصادِ

يعمل الاحتلال على إحكام قبضته على منطقة عفرين واقتصادها فلا يُسمح للمؤسساتِ غير المسجّلة في تركيا بالعملِ في عفرين، وفتحت تركيا مركزين للخدمة البريديّة التركيّة في بلدتي جرابلس والباب. وتلعب هذه المراكز دور البنوك، وهي المراكز الرسميّة الوحيدة التي تسجّل الأموال الداخلة والخارجة من تلك المناطق، وجاء افتتاح معبر “غصن الزيتون في 15/3/2019 الواصل مع ولاية هاتاي، بهدفِ ربطِ اقتصاد عفرين بتركيا مباشرة والتحكم به. واليوم وعلى مشارف استكمال عامين من الاحتلال، فإنّ المنطقة خضعت لأكبر عمليةٍ استنزافٍ اقتصاديّ ونهبٍ ضخمٍ لموسمِ الزيتونِ، فيسُرقُ القسمُ الأعظمُ من إنتاجِ الزيتِ، وتفرض عليه الإتاوة ويحدد سعرُ ما تبقى.

يعتمد المرتزقة أسلوب السرقة والنهب أو التخريب، وشملت حملات السرقة تفكيك خطوط الكهرباء والهاتف والسكك الحديديّة وأبراج الاتصالات الخلويّة ونهبها، ولم تكن المسألة تتوقف عند المرتزقة، بل هي تعيد إلى الأذهان سياسة النهب التي مارسها العثمانيون في هذه البلاد عندما كانوا ينهبون خيراتها ويذهبون بها إلى السلطان في إسطنبول، وإذا كان البعضُ قد والى المحتلَ واعتقد أنّ المحسوبين على الإدارة الذاتيّة فقط هم هدفُ السرقةِ، فقد خاب ظنهم، بعدما تحوّل المرتزقة إليهم يسلبون ما فيهم أيديهم من خيراتٍ وأرزاقٍ.

وفي ظلِّ الاحتلالِ ارتفع معدلُ الجريمةِ وسرقةِ البيوتِ واُرتكبت جرائمُ القتلِ بدافعِ السرقةِ، ومن الأساليبِ الإجراميّة التي يتبعها مرتزقةُ الاحتلالِ الخطفُ والابتزازُ وطلبُ الفدياتِ تحت طائلة تعذيبِ المختطف وحتى قتله، وكلها تندرجُ في إطارِ إفقارِ المنطقةِ وتهجيرِ الأهالي عبر التضييق ودفعهم لتركِ بيوتهم.

التعليقات مغلقة.