سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

أنظمة السلطة وأدواتها على المحك

إلهام أحمد –
لا يخفى على أحد أنَّ الأنظمة الشمولية في المنطقة التي تأسست تحت تأثير القوى الخارجية، كانت نتيجة التوافقات الدولية، وبالتالي كانت الجهة الخدومة لتلك القوى حتى يومنا الراهن، فهذه الأنظمة التي استمرت على شكل دول بطابع قوموي، لعبت دورها في الأعوام المئة السابقة. فأكثر الدول الرافضة للوجود الأجنبي، والأكثر راديكالية وثورية أيضا تشكلت نتيجة سياسات مارستها دول خارجية كان لها الدور المؤثر على المنطقة بالكامل. لذلك؛ مهما تدعي تلك الأنظمة الاستقلالية، إلا أنَّها تشكَّلت نتيجة تفاهمات واتفاقات دولية.
سايكس بيكو رسمت حدوداً لدول جديدة كانت غير موجودة بالأساس، بالرغم من أنَّ تلك الحدود تسبَّبت بالفصل بين عوائل وعشائر ومدن وقرى، انقسم الأقرباء بين حدود هذه الدولة وتلك، اليوم وبعد مرور عشرات الأعوام على تلك الاتفاقات والتقسيمات، نرى أنَّ تلك العوائل لا تزال تتطلَّع لإزالة تلك الحدود المصطنعة ليعود كل إلى أقربائه ويتبادلوا السلام بين بعضهم البعض دون تحفظات أو الحاجة لإظهار جواز السفر لدى عبوره إلى الطرف الآخر، كما أنَّ أصحاب الدولة القومية من العائلة الحاكمة، ترى أنَّ الحدود أصبحت من المقدسات لا يمكن المساس بها، ومن يدعي عكس ذلك يرى نفسه في غياهب السجون، مثالها الأكبر الحكومة التركية التي بنت الجدران، وحفرت الخنادق، وثبتت الإنارة على الأسلاك ووضعت كاميرات المراقبة، وبالطبع يعلمون لماذا يتخذون كل تلك التدابير، بالتأكيد ليس خوفاً من مرور مواطن بزيارة لذويه إلى الطرف الآخر من الحدود خلسة، ولا خوفاً من تسلُّل مجموعة مسلحة باعتبار أنَّ طرف الحدود تحوَّل إلى كتلة من نار، والدولة التركية بنفسها تدعم المسلحين، أي أنَّها تركت حدودها مفتوحة لهم في المسافة التي تراها مناسبة لهم. لكن؛ الخوف الأكبر ينبع من كون هذه الأنظمة لم تتشكل تلبية لآمال الناس. لذلك؛ هي غير مرغوبة بها وغير واثقة من نفسها ومن ممارساتها، لأنها تشكلت بتأثير خارجي بعد انتفاضات داخلية منها كانت مدعومة خارجيا ومنها حقيقة كانت ترغب بالاستقلال وحق تقرير المصير. لذلك؛ لا تثق هذه الأنظمة بشعبيتها، وهي تعلم أنَّ الأصوات التي تجمعها في الانتخابات ليست حباً بها، إنما أصوات روتينية اعتاد عليها الناس ويرون أنفسهم تحت ضغط الخيارات القليلة والمعدومة تقريباً.
فالنظام يعلم بصنيعه، لذلك؛ هو غير واثق من التأييد الشعبي له، ولو ألقينا نظرة على الانتخابات التي أقيمت في كل من لبنان والعراق وتركيا، فسنرى أنه ومن خلال النتيجة التي ظهرت، أنَّ الصندوق لم يكن له دورٌ فيها، إنما التوافقات المدعومة من دول كانت العامل الأكثر تأثيراً. وهذا يعني حدثت انقلابات من نوع آخر. ففي تركيا على سبيل المثال، كان أردوغان خاسراً للجولة الانتخابية، لكنما أتاه الدعم أثناء الحملة الانتخابية وأثناء الانتخابات أيضا، غير واقعي من يدعي أنَّ أردوغان كسب الأصوات من حملته على عفرين، علماً أنَّ الدول التي توافقت معه على الهجوم كان هدفها مساعدته لكسب الأصوات أولاً، وضرب مكتسبات مشروعنا الديمقراطي ثانياً.
النظام أيضا في بلدنا نموذج يمكن أن نذكره في الكتابات بشكل دائم حتى يتم توعية الأهالي وتتنور العقول. ولمجرد السؤال عن لماذا آلت إلى ما هي عليه الأمور الآن؟ أما كان لأحد أن يطفى النار؟ نعم كان بإمكان النظام أن يطفئها، لكنه أججها بمسميات متعددة، فقط ليظهر للعالم براءته، أما كان النظام يملك القدرة على إيقاف القتال والحفاظ على سورية من مغبة الوقوع في حرب لا نهاية لها؟ نعم كان يملك القدرة، لكن الثقافة المتوارثة لم تعطه المجال، ودور الدول التي دعمته وأكدت على الموقف الرافض لأي عملية تغيير ديمقراطي. إذاً فالموضوع الأساس هنا ليس الحفاظ على الحدود المرسومة للدولة، إنَّما السلطة تكون الأهم.
إذاً بإمكاننا القول: إنَّ الحكومات هذه لا تعمل بشكل مستقل، فكيفما تشكلت بتأثير سياسات القوى الخارجية، فهي غير مؤهلة اليوم لأن تتجاوز تلك السياسات، ولا يمكنها أن تدعي الاستقلالية بقرارها، فعندما يتفق الروسي مع التركي على أجزاء من الأراضي السورية، هذا يعني أن النظام البعثي فاقد لوصايته على أرض دولته. الدول هي التي تفعل فعلتها بسورية حسبما يناسب مصالحها.
المهم في هذا الموضوع؛ أود القول: إنَّ الحدود الراهنة للدول لم ترسم بيد سكان المنطقة، وإن رسمت حدود جديدة أيضاً فلن تكون بإرادة أهلها، إنما سيتبعون لها مرغمين. والنظام البعثي يحاول قدر الإمكان الحفاظ على ما سلكته ضمن الحدود التي يسمح لها. صدام كان من أكثر الشخصيات التي تعادي الرأسمالية والأمبريالية، لكن بالحملات التي قام بها خارج حدود بلده لم يخدم تلك القوى؟ بالتأكيد خدم، وفتح المجال أمام ضربات قوية قضت على حكمه.
اليوم من يدفع بالنظام السوري ليبتعد عن الحل ويعاند على عدم قبول ملفات هامة لحل الأزمة ألا وهي ملف المعتقلين والمخطوفين، علماً أنه ملف مهم لا يمكن التغاضي عنه أو التساهل بشأنه.
من يدفع بأردوغان في ألا يقبل حل قضاياه الداخلية بطريق الحوار، من وضع حزب العمال الكردستاني على قائمة الإرهاب هو الداعم الأول والأخير باستمرار الأزمة في تركيا وتفاقمها، واليوم من يرفض إزالة هذا الحزب من القائمة أيضا يستهدف أمن تركيا ووحدتها، لأنه بالنهاية لا يمكن القضاء على قضايا الشعوب، ولا بد من حلها حلاً سلمياً بعيداً عن الأطر القومية. القضايا نفسها موجودة في العراق ولبنان أيضاً، بمعنى أنَّ الانتخابات لم تحل قضايا الشعب، إنَّما قسمت الدولة الموحدة داخلياً أيضاً.
النظام السوري إما أن يحل الأزمة بالحوار، أو يستمر بالأسلوب العسكري وبالتالي سيفقد كل ما كسبه من حرب السبعة أعوام.

التعليقات مغلقة.