سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

دعوني أبكي فرحاً

أزهر أحمد –
لا أريد أن تغسل دمعة الحزن دمعة الفرح، لا أريد أن أتذكر الماضي، أرجوكم فتشوني… أرجوكم فتشوني…عبارات كانت قاسية الوقع على مسامعي، التفتت لمصدرها فإذا برجل طويل القامة يرتدي ثوباً ناصع البياض, يزين جيبه قلم بغطاء أزرق, ومحرمة بيضاء تلمع. يتخللها خطٌّ مستقيم , وفي يده عكازة تلمع وهي تعكس أشعة شمس الصباح, بعض من الغضب الممزوج بتمتمة الشفاه، وحركات يد الرجل العجوز وهو يمسك يد صبية تناهز العشرين، ويسبقه دمع يسير عبر أخاديد وجهه التي تركتها السنين، والفتاة تُحدِّثُه برجاء وتجذبه برفق إلى طرف الطريق.
« أبي أرجوك … أرجوك ما بك, تعال ولنستقل السرفيس أرجوك أبي» تتغلب عليها دموع تحاول حبسها، تحاول إيقافه, يسير وتسبقه عكازته, يتعثَّر العجوز وتمسك به يدٌ أخرى، تمنعه يد رجل «الأسايش» من أن يسقط يرفع وجهه باتجاه من منعه من الوقوع أرضاً يشكره ويفاجئه… إنه ضرير، يستمع الرجل إليه يطلب منه الهدوء والاسترخاء والجلوس في الداخل لبرهة ريثما يهدأ انفعاله، يخرج منديلاً مُطرَّزاً بصورة طاووس يمسح به عرقه البارد..
أتأمله وهو يعيد عبارته بعد أن علم أنَّه يخاطب «الأسايش»: فتشوني…يرفض الولوج لغرفتهم، يستغرب الجميع، السيارات توقفت، والجميع يراقبون، البعض نزل من سيارته واقترب مستفسراً، والبعض يراقب في دهشة، وهو يكرر فتشوني ….فتشوني.
يقترب أربعيني بزي عسكري، يطلب من العجوز الهدوء، يمسح عن وجهه العرق من جديد، يُحدِّثُه برفقٍ: تفضل ولنتحدث في الداخل أرجوك أيها العم …. أرجوك أن تأتي معي لترتاح وتغسل وجهك ولنسمعك.
يزداد صراخ العجوز ويكرِّر عبارة فتشوني …فتشوني …..فتشوني، ويُردِف بشيء من الرجاء: كنت أحلم أن يكون من يفتشني هو من يقربني، هو من يسكن في قريتي، من ينطق لغتي، من يقول «عماه» من يشعر بألمي ويقاسمني رغيفي ويعدُّ معي أيام سجني ……
العجوز يُكرِّر أرجوكم فتشوني ….. ويعيد الكرَّة …..ينهض أحد رجال الأسايش؛ يفتشه بناءً على طلبه، ويعيد الكرَّة، يتحدَّث العجوز بحرقة: لقد نالت مني المصائب وقضبان السجون، وعبارات الشتم والتجريح من أولاد العاهرات وخيانة الأهل، فأصبحت أقرب للقبر من ترف القصور وأماني الشباب ولكن وصيتي لكم: لا تخونوا أصولكم ولا تتنكَّروا لها، لا تجلسوا في حضن أعدائكم وقاتلي أولادكم، لا تضعوا أيديكم في أيدي سجاني أخوانكم، لا تنافقوا فتتنازلوا عن كرامتكم عندها تُستَباح أعراضكم وتُدنَّس أرضكم.
لا تسألوني لم تبكِ، بكيت من قبل كثيراً عندما كانت الأمهات تعلِّم أولادها لغة المستعمر، بكيت عندما استُبيحت مقدساتي وانتُهك عرضي وسُبيت نسائي، بكيت وأبكي عندما أرى وأسمع من يتشدَّق بالوطنية والكرامة يجلس في أحضان مغتصبي وجلادي.
لا تلوموني اليوم أبكي فرحاً، نعم أبكي فرحاً …. أقسم أنِّي أبكي فرحاً، لأن صاحب فلسفة وعلم وبرنامج ومؤسسات تدير شؤون أحبتي، سأرحل وأنا مطمئن سأنقل هذا للخالدين، في لحظات السمر في قبري، فدعوني أبكي فرحاً لا حزناً.
أنهى الرجل كلماته، عانق الأرض، وصعدت روحه السماء، فانهمرت دموع الجميع وتعالت أصوات البكاء لتعانق صوت بكاء ابنته، وليعود الصدى أقوى واعداً بيوم جديد.

التعليقات مغلقة.