سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

موسيقيات سوريات يلجأن للأغاني لعلاج آثار الحرب في دمشق..

52
على طول الطريق الضيّق المفضي إلى قلب صحنايا بريف دمشق الجنوبي، يمكن للعابر مساء سماع أغنيات قادمة من إحدى قاعات البلدة. إن دفعك الفضول لتتبع الصوت، سيتبيّن لك وجود حوالي 80 مغني ومغنية وعشر مدربات، مع شعار معلّق على أحد جدران القاعة وقد كُتب عليه “تناغم”.
من بين هذه الأغنيات العربية أغان قديمة يحفظها معظم السوريين عن ظهر قلب، وشارات مسلسلات كرتونية تعود للثمانينيات والتسعينيات.
بحسب ما جاء في وسائل إعلامية عدة فأن هذه المجموعة تحمل اسم “تناغم”، وقد تكون الأولى من نوعها في المنطقة، فهدفها دعم التماسك المجتمعي وتعزيز التفاعل الإيجابي بين أعضائها. أعضاء الجوقة ليسوا موسيقيين بل أشخاص عاديين ينتمون لشرائح اجتماعية مختلفة ويعيشون في بلدة صحنايا التي استقبلت عشرات آلاف النازحين خلال السنوات الأخيرة، خاصة من داريا والغوطة الشرقية.
تشرف على هذه المجموعة فرقة غاردينيا، وهي أول جوقة نسائية أكاديمية في سوريا. تأسست عام 2016، وترفع شعار: “نعم يمكن للموسيقى أن تقرّب الناس من بعضهم، وأن تلعب دوراً في السلم الأهلي الذي ننشده داخل مجتمعنا السوري”.
“الحرب لم تنتهِ بعد”
رغم انحسار أصوات المعارك عن مناطق واسعة في سوريا، تتردد عبارة على لسان كثير من السوريين اليوم “يمكن الحرب خلصت، لكن آثارها موجودة بكل مكان” وكأنهم يعبرون عن آمالهم في أن تنتهي الحرب فعلاً. لم تكن هذه الآثار بعيدة عن تساؤلات فرقة غاردينيا حول الطريقة الأفضل للتخفيف من هموم الناس والتخفيف من ظروف الحرب نفسياً على الأقل.
تقول قائدة جوقة غاردينيا، غادة حرب، إن فكرة إنشاء جوقة تضم شباباً وشابات من كلا المجتمعَين (الوافد والمقيم)، يهدف إلى التقريب بينهم رغم اختلافاتهم الاجتماعية والثقافية والمادية وحتى الدينية.
وتوضّح غادة حرب، وهي مغنية أوبرا سوريّة: “علينا أن نزرع بذرة جديدة كي تنمو وتصبح خضراء، هذه رسالتنا الأساسية في جوقتنا النسائية”.
وتضيف بأن الاختيار وقع على بلدة صحنايا لأنها تضم أعداداً كبيرة من العائلات النازحة، وفيها تنوع ثقافي هائل بين مكوناتها الحالية – الأمر الذي يأخذ خصوصية أكبر في المناطق الريفية التي قد يصعب فيها تقبل الغرباء.
في منتصف أيلول الماضي، وتحديداً بيوم السلام العالمي، أعلنت غاردينيا، كما تشرح مديرتها الإدارية، سفانة بقلة، إطلاق مشروع “تناغم” لتحقيق التماسك المجتمعي والحد من أوجه عدم المساواة في المجتمع على قائمة أهدافه.
يمتد المشروع طيلة أربعة أشهر ضمن مراحل تشمل اختيار الأعضاء والتدريبات الأسبوعية ثم حفلَي ختام.
وتشير بقلة إلى أن الاختيار جرى وفق امتحان يهدف لاختبار قدرة المتقدمين على الغناء ولو بشكل مبسط، وذلك بعد إعلان عبر صفحات التواصل الاجتماعي وبمساعدة جمعيات ومعاهد موسيقية محلية.
لم يكن من السهل الوصول للعائلات النازحة على وجه الخصوص، ولكن في المحصلة، تشكّلت جوقة تناغم من 78 شاباً وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و35 سنة، ويشكّل النازحون في صحنايا وما حولها ثلثهم.
“لا يجب أن يعلو صوتي على صوتك”
لم يكن اختيار فكرة الجوقة لتحقيق التماسك المجتمعي اعتباطياً كما تقول غادة حرب، فالموسيقى أداة دمج ناجحة للغاية، وفي الجوقة بالذات على كل شخص أن يغني بصوت يسمعه الآخرون دون أن يطغى على أصواتهم.
“هو مبدأ موسيقي لكني أراه مبدأ مجتمعياً أيضاً. لا يجب أن يعلو صوتي على صوتك، وبالتالي علينا تقبّل أصوات بعضنا. أقول لهم على الدوام: لكل شخص أذنان، واحدة له والأخرى لغيره، ولو عممنا هذا المبدأ على حياتنا لكنّا بحال أفضل”.
تضيف عازفة القيثارة سفانة بقلة بأن اختيار البرنامج جاء وفق أهداف محددة مسبقاً؛ فأغنيات مسلسلات الأطفال ومنها “سنان” و”ميمونة ومسعود” تحمل بين كلماتها معاني السلام والمودة، والأغنيات العربية القديمة مثل “بلدتي” و”بعدنا من يقطف الكروم” تعيد الحنين لأزمنة وأمكنة مفقودة جميلة وتتمسك بها في الوقت ذاته، مع مراعاة ملاءمة المستويات الفنية للمشاركين، ومعظمهم من الهواة.
ويتضمن المشروع إلى جانب التدريبات الموسيقية والإيقاعية والغنائية، جلسات دعم نفسي اجتماعي وحوارات مفتوحة وتدريبات على العمل الجماعي ومهارات الفريق والتواصل، والغاية النهائية، تحقيق الدمج المنشود، وألا يتوقف المشروع في نهاية الأشهر الأربعة.
كما يشمل الهدف تشكيل نواة مصغرة قادرة على ضمان استمرارية “تناغم” كجوقة خاصة بالمنطقة، ومن أبنائها سواء المقيمين أو الوافدين الجدد، وربما تكرار التجربة وتعميمها في مناطق أخرى من سوريا مستقبلاً.
“دمج لم نتوقعهُ يوماً”
قلّما يتغيب أعضاء الجوقة عن تمارينهم، ويبدو أن أهداف المشروع بدأت تظهر بعد شهرين على انطلاقه: التعرّف على بعضهم بشكل حقيقي وكسر الحواجز التي ربما وضعتها الحرب بينهم.
المتدربون والمتدربات يشعرون بانتماء لم يسبق لهم إن شعروا به كما وصفوها بأنه تناغم، ووسيلة عظيمة لكسر الحواجز.
ولا يختلف شعور آيات حاج أحمد (27 عاماً)، النازحة من بلدة داريا المجاورة لصحنايا، وتضيف بأن المشروع أعطاها مساحة للتفريغ النفسي، فشكّلت صداقات جديدة وباتت تشعر بمعنى جديد لحياتها، وبقيمة العمل الجماعي، “هنا كلٌ منا يعطي من صوته للآخرين، ونأخذ في الوقت ذاته المساحة التي نحتاجها تماماً”.