إعداد/ هيلين علي –
“الناس يولدون من بطون أمهاتهم أحراراً متساوين في الحقوق، ولكن عندما يخوضون معارك الحياة لا يعودون متساوين في الحقوق، فمنهم من تُسلب حريته ومنهم من يعاني الفقر أو المرض أو الجوع، وقلة من الناس من يهتمون بهم”.
رواية تاريخية:
“البؤساء”، اسم يجسد الظلم الاجتماعي الذي كان سائداً في فرنسا، ما بين فترة سقوط نابليون عام 1815م، وقيام الثورة الفاشلة ضد الملك لويس فيليب عام 1832م, تعد أشهر رواية فرنسية تاريخية في القرن التاسع عشر، للكاتب الفرنسي فيكتور هوجو، الذي يعد واحداً من عمالقة الأدب الفرنسي، شاعر وروائي وكاتب مسرحي، معروف ببراعته الأدبية وبحبكته الروائية الرومانسية.
أعمال فيكتور هوغو:
من أهم أعماله “أحدب نوتردام”، و”رجل نبيل” و”عمّال البحر”، بالإضافة إلى (البؤساء) رمز شهرته, نشرت البؤساء لأول مرة عام 1862م، وظهرت في جميع المدن الأوروبية ضمن وقت واحد, جمعت الرواية الحب والحرب والطفولة المفقودة، كما حققت نسبة مبيعات عالية جداً، خاصةً بعد تحويلها لمسرحية ذات طابع درامي موسيقي وفيلم عام 2012م.
حبكة الرواية:
شكلت الرواية نقداً للعادات والقوانين الفرنسية، التي تحول الحياة إلى جحيم بشري، في ظل الطبقية المادية السائدة في ذلك الوقت, تنقسم الرواية إلى خمسة أجزاء، يحمل كل جزء منها اسم أحد أبطالها, حيث تبدأ بدخول المحكوم عليه بالأشغال الشاقة “جان فالجان” السجن، بتهمة سرقة رغيف خبز, وتنتقل الرواية بالأحداث إلى أن يصبح جان فالجان عمدةً لمدينة فرنسية يساعد الفقراء والمحتاجين، ويتبنى الطفلة كوزيت ابنة إحدى العاملات لديه “فانتين”، التي كافحت لاستعادة ابنتها من ظلم لا يليق ببراءة الأطفال.
تصف الرواية لنا حماس بعض الشباب للثورة ضد الملك والتغيير لواقعهم المؤلم، لكن يحكم على ثورتهم بالفشل, كما تعالج (البؤساء)، صراع النفس البشرية في ظل الفساد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ما بين الخير والشر، والصفح والانتقام، كما تطرح الكثير من المواقف والجوانب الإنسانية الاخرى كالحب.. والحرب الطويلة.. والأيام.. والسجن الذي أضاع حياة إنسان، تعرض الرواية تلك المشاعر من خلال البؤس والجريمة والجهل، في الطبقة السفلى من المجتمع، في تصادم مع الضمير ودعوة الإصلاح والحاجة، كل ذلك جسده (هوجو) في شخصية بطل الرواية “جان فالجان”, حيث يسلط (هوجو) الضوء في روايته هذه على الثورة ورجالها وتاريخها والتي على دوام الأحداث تكون حاضرة بالقوة في مشاهد الرواية؛ وقد عبر عنها وفق رؤية فلسفية أتقن (هوجو) طرحها بشكل سليم ومؤثر.
“البؤساء” رواية العظمة الإنسانية:
تكاد لا تخلو لغة في العالم من أكثر من ترجمة لرائعة فيكتور هيجو “البؤساء”، ويصعب إحصاء عدد المرات التي مثلت على المسرح. وفي كل مرة تجذب إليها الملايين من الناس الذين سبق لهم أن رأوها وقرأوها مرات, منذ عام 1863م، حتى اليوم، ما تزال “البؤساء” تقرأ بوتيرة متصاعدة، ولو جرب القارئ إعادة قراءتها مرة ثانية، أو حتى ثالثة لأدرك كم الذي فاته، لأن البؤساء ليست مجرد حبكة روائية متقنة وجذابة فحسب. إنها رواية العظمة الإنسانية في مواجهة أقسى الظروف، رواية المشاعر الدافقة من الحب والجمال. بقدر ما هي غوص في النفس الإنسانية بكل ما فيها من ضعة وترفع، وما فيها من ظلم وعدل، وما فيها من قوة وضعف. تعرفنا هذه الرواية إلى باريس كما لم نعرفها، وإلى مرحلة من التاريخ، التي تلت الثورة الفرنسية العظمى عام 1789م، وارتداداتها الأكثر تأثيراً في صورة العالم الحديث. هذه الثورة التي رغم الانكسارات والآلام والتضحيات تمسكت بشعارات الأخوة والمساواة والحرية. وتعرفنا إلى نماذج من شخصيات هي نماذج إنسانية يصعب نسيانها. ولن ينسى قارئ “البؤساء” ما عانته فانتين لتسعد ابنتها، ولا ما عاناه كل من ماريوس وكوزيت ليتحول حبهم, ولا ما عاناه جان فالجان ليتحول من محكوم بالأشغال الشاقة، إلى رجل يمتلئ قلبه بالخير والحب، ولهذا قد صدق “هوجو” بالقول “بأن البؤس ينتج رجال شريرين ولكن في كثير من الأحيان لا تُفسد الجانب الإنساني في أعماقهم”.




