سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

المنطقة الآمنة والتهديدات التركية

رياض درار –

يبقى شمال وشرق سوريا آمناً ما دام التركي بعيداً، فهو الذي يهدد الاستقرار في المنطقة. ويبدو التصعيد المتكرر نتيجة أزمة داخلية يعاني منها أردوغان الذي وضع بيضه في السلتين الأمريكية والروسية بآن واحد، وهو يحاول ابتزاز الطرفين بتهديد الجوار في الشمال الشرقي من جهة والتفاوض على إدلب في الشمال الغربي. ويغيب عن المفاوض التركي الذي يستخدم التهديد أنه لم يستطع تحقيق شيء في منبج إلا ما أراده الأمريكي؛ وأنه يريد أن يكسب مع الأمريكي بينما يقدم للروسي كل شيء؛ ولم يسأل نفسه “لم يقدم الأمريكي ثمناً ما دام الروسي يتقدم؟!”، فالروسي يبيع السلاح، وهو يستلم كل حين أرضاً جديدة، ويتحكم بالمصير السوري بمساعدة دولة الاحتلال التركي دائماً، وبلغة المصالح الأمريكية يخسر باستمرار.
يمكن للتركي أن يصعّد وهو يرى التهاون الأمريكي مع إيران؛ ويعتقد أنه لا فرصة للأمريكي أن يفتح جبهتين مع قوتين إقليميتين؛ وأنه مضطر أن يستجيب لمطالب التركي بالنتيجة. لذلك؛ يستمر التصعيد ويستمر التهديد. ولكن؛ القوات الأمريكية لن ترضخ؛ لأنها لن تخرج من المنطقة، وإذا خرجت فعليها السلام؛ وحينها لن تعود إلى الشرق الأوسط ثانية.
لسنا برفاهية التحليل؛ لأن الموقف يتطلب من قسد الانتباه والتحضر للرد. ففصائل المرتزقة الذين يأتمرون بالأوامر التركية قد يبادرون بتشجيع تركي لاختراق منبج، أو تل أبيض بدعم من الجيش التركي، وإظهار ذلك بأنه تصادم بين العرب والكرد، وهذا ما يُصرّح به قادة مرتزقة يرون علاقتهم تحالفاً مع التركي، فيتركون جبهة إدلب، ويتوقفون عن مواجهة النظام، ليفتحوا جبهة أقل ما فيها خدمة روسيا والنظام ليتفرغا لأخذ إدلب، وتتكرر صورة سقوط حلب.
وأكدت مصادر في المعارضة السورية أن دولة الاحتلال التركي طلبت من فصائل ما يسمى “الجيش السوري الوطني” التابع للمعارضة الاستعداد لعمل عسكري مرتقب في مدينة منبج، ومدينة تل أبيض التابعة لمنطقة الرقة. وأوضحت هذه المصادر أنّ الطلب التركي جاء من خلال اجتماع عسكري جرى في تركيا، جمع قيادات من الفصائل المنضوية في “الجيش الوطني” بضباط أتراك رفيعي المستوى. أبلغوهم بالاستعداد للتحرّك نحو منبج، وأكد ناطق بأن هذه الفصائل “تدعم رؤية الحلفاء في الجمهورية التركية حول المنطقة الآمنة، وتؤيّد التصريحات القاضية بضرورة البدء بالإجراءات العملية، وتؤكّد الاستعداد الكامل للبدء بعملية عسكرية واسعة إلى جانب الحلفاء”.
لاشك أن تصريح أردوغان بأنه “سيدفن المدافعين عن مناطقهم أو يرضخوا للذل”، هو تصريح عنصري مذل لمطلقه في لغة السياسة، ومذل لمن يسمع ويبقى تحت ظله؛ لأنه يعني أنه قابع تحت الذل. ولذلك؛ فإن الأحزاب الكردية المشاركة في الائتلاف خاصة، تخضع لهذا التوصيف، وهي تستمر على هذا الذل وتدافع عنه حين تدافع عن حق الاحتلال التركي بالمطالبة بمنطقة آمنة داخل سوريا.
لاحق للاحتلال التركي بالمطالبة بالمنطقة الآمنة؛ لأنه لا يوجد من يهدد أمنها. وإذا استوجب الأمر الحيطة ومن باب سد الذرائع، فإن قسد أقرت بأنها تقبل سحب قواتها الثقيلة مسافة مأمونة بالحسابات العسكرية لا تتجاوز الخمسة كيلو مترات، وتسحب قواتها لتبقى المنطقة بحماية قوات محلية من أبناء المناطق والبلدات الحدودية، وتبقى قوات التحالف تراقب المنطقة، ولا يتدخل الجيش التركي، بل يراقب حدوده من داخل الأراضي التركية. وإن هذا الاتفاق يجب أن ينطبق على عفرين فيعود إليها سكانها الذين نزحوا منها وتحمى الحدود بالطريقة نفسها. ويمكن أن نتحدث عن علاقات حُسن جِوار، وعن بدايات مشاركة في الحل السياسي الذي يضمن للجميع المساهمة في إعادة الإعمار وعودة المهجرين والنازحين، وخلق آليات التوازن والعلاقات الطيبة.
إن المحادثات الأمريكية التركية لن تنجح بسبب اختلاف الرؤية، فدولة الاحتلال التركي تنظر من خلال أطماعها في الكعكة السورية معتمدة على فصائل تخدم سياساتها، وهي لم تعد ترى في سوريا وطناً لها، بل تسعى لضم المناطق تحت سيطرتها لتركيا والعمل بخدمتها. وأما أمريكا فتعمل على متابعة داعش، وهي تعلم أن لا مشكلة للاحتلال التركي معه وقد تعايشت معه ثلاث سنوات دون شعور بالتهديد، ولم تطالب بمنطقة آمنة معه. وأمريكا تعلم أن دولة الاحتلال التركي تحمي داعش، ولا صحة لادعاءاتها بأنه عدو لها. كما أن إيران مستعدة على الأبواب للتدخل في هذه المناطق شمال نهر الفرات، وسترضى دولة الاحتلال التركي أن تقيم معها أحسن العلاقات وهي شريكتها في سوتشي وآستانا، وقد تلدان معاً نظاماً جديداً مع روسيا اسمه حلف الشرق، عندها ننتظر الوعود القاتلة.

التعليقات مغلقة.