إعداد/ غاندي إسكندر –
الأغنية الشعبيّة أبرز ألوان التراث الشعبي وهي قصيدة غنائية يتداولها الناس في الوسط الشعبي ولاسيما في مناسباتهم الاجتماعية وتأخذ الأغنية الشعبية لونها الخاص بحسب المنطقة التي تظهر فيها، فللجبل أغنية، وللسهل أغنية وللبوادي أهازيجه، ومواويله، كما أن لموسم قطف الزيتون أغاني خاصة، وللحرث، والبذار، والحصاد، وجني المحاصيل والمراعي أغانيها وقد برزت الأغنية الشعبية في مناسبات الأفراح من خطبة وزواج وولادة الابن البِكر، ويعتبر الاستماع لهذه الأغاني فرصة للراحة، والمتعة ولعل أهم أنواع الأغاني الشعبية رواجاً في بلاد الشام ولاسيما منطقة الساحل أغنية العتابا دون غيرها من الأغاني.
وتعدُّ العتابا، وغيرها من الألوان الغنائية التراثية على قدر كبير من الأهمية لأنها تصور عادات وتقاليد الناس ويومياتهم في البيت والحقل والمراعي والمناسبات، وهي من أشهر أنواع الأغاني التراثية الشعبية أما ما تعنيه كلمة عتابا فقد تعددت الآراء حول ذلك فثمة أساطير متعددة تُنسج، وروايات كثيرة تُحكى، كلها تدور في فلك البحث بدءاً من أصل التسمية وانتهاءً بقصص نشأتها، فلكل منطقة مخزون شعبي يروي قصة أقرب إلى الخيال، فمن تلك الحكايات الأسطورية ثمة حكاية تقول: إنه كان لفلاح شاب في جبال الساحل السوري زوجة جميلة اسمها عتابا بهر جمالها الإقطاعي الذي أخذها غصباً إلى قصره، فما كان من الفلاح إلا إن هجر الجبل، وهام على وجهه في القرى، والبلدات، وفي غمرة حزنه الشديد أنشد العتابا الأولى
عتابا بين برمي ولفتي …
عتابا ليش لغيري ولّفتي …
أنا ما روح للقاضي ولا أفتي …
عتابا بالتلات مطلقا
وأقرب الأقوال إلى المنطق يؤكده الباحثون أن العتابا جاءت من العتاب، والمعاتبة فشاعر العتابا دوماً يعاتب حبيبته لما تبديه من صد وهجران ويلوم صديقه على جفائه، وبيت العتابا يتركب من بيتين ولكل بيت شطرين، وتكون الأشطر الثلاثة الأولى على قافية مجنسة أي يتفقان في اللفظ ويختلفان في المعنى، وينتهي الشطر الرابع بالباء الساكنة المسبوقة بالألف، أو بالفتحة:
متى يا دنيا هل القلب تريحين
ترى الصخر لو يسمع نواحي ترى يحن
أمانة يا بنت فالقلب تريحين
ترى انكسر وأضناه التعَب
يبدأ بيت العتابا أحيانا بـ “أوف” من أجل لفت انتباه السامع؛ وأوف هي من أف اسم فعل أمر بمعنى أتضجر، وكلما كان الألم، واللوعة شديدين أطال المعتِّب في مد الواو، ويتلون بيت العتابا بالبديع، والبيان، ويحتاج إلى صوت جبلي، وحنجرة رخيمة تصدح بالمفردات، وتعد العتابا الآن ذات مواضيع متنوعة، ولم تعد تقتصر على التسلية، والترويج عن النفس وأضحت محاورها مختلفة، فباتت تعكس المزاج العام للناس، وهمومهم الحياتية، وأصبحت تتطرق إلى مواضيع دينية وسياسية، وغزلية لكن يبقى الأثر البالغ عليها هي للبيئة، والطبيعة والجغرافية.