سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

كرهتني خيطان خيمتي

أزهر أحمد –
لا شيءَ يتغيّر في هذه الخيمة الكئيبة، وكأنّ خيطانَها خيطانُ مشانقٍ غزلها الغزاة… كلُّ شيءٍ بدون روح الجميع شاردون، ولا صدىً سوى كلمات أصبحت أكرهها أرزاق… معونات… مساعدات… منظمات… شعارات… أرقام الخيم.
لجان تتقمّصُ صفاتِ الآلهة… وكلمات رنّانة… والجميعُ أصبح يوحي بأنّه المنقذ بنظارته وسكسوكته وصدريّة لُوّنت وكُتب عليها خصيصاً، وكأنّهم يدركون ويرصدون ما يجيش في خواطرنا… يا لها من متناقضات!! نعم متناقضات لماذا تهجّرونني من منزلي؟ ولماذا تشفقون وستشفقون علي؟ لماذا تهدمون بيتي وتهدونني خيمة صماء جرداء صماء لا تعرف المشاعر؟ ولعل تلفازي الصغير كان يخفّف عني ما يجيش في صدري وينسيني بعضاً من آلامي، ولكن هذا اليوم كم كرهتك أيها التلفاز وأنا أرى بأنّك تنقل إلينا أخبار انتقال أولئك الملتحين بجلابياتهم القصيرة ورائحتهم النتنة الكريهة، وما يحملون من قذارة الأفكار وكلماتهم التي تبرّأ حتى المسلمون منها، وهم ينزلون من تلك الباصات الخضراء ويدخلون قريتي، وعندما تمعنت في الصورة أكثر فإذا بالأوغاد يتكئون على مخدة صنعتها والدتي، ويصلون على مسجد صلاة غزلتها يدُ جدتي من صوف الأغنام التي كان يرعاها والدي، ويكسرون أغصان الزيتون التي كنت أسقيها بيدي… انتابني القشعريرة، نعم كلُّ شيءٍ في جسدي يرجف، ازداد غضبي… ثورتي… ألمي…عندما سمعت أصواتهم وهم يردّدون الله أكبر، أصواتُ حبات المسابح أصبحت أصواتَ مدافع تدوّي في أذني وقهقهاتِ الغزاةِ وهم يتلذذون بمياه بئر حفره والدي بيديه، بينما كنت أنقل ترابه وأفرشه بجانب غصن زيتونة تستنجد بالسماء، وصورة أخرى لهم يرمون الأحجار فيه وزجاجات الكحول في أيديهم تفضحُ حقيقة مسابحهم، ويقلعون أغصان الزيتون التي كان جدي يقول إنّها مباركة من عند الله، «التين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين»، نعم ينافقون في كلِّ شيءٍ يلتحفون بالعباءات ويتراءى للناظر أنّهم من أولياء الله الصالحين، من على منبرِ مسجدٍ اغتصبوه وتحت شجرةٍ سلبوها وكسروها، ويتوضؤون بماء بئر دُنِس بقذارة زجاجاتهم النتنة… تأملت تلك المناظر وألسنة الدخان، فازداد غضبي ثورتي وعنفواني.. فإذا بصوت ابنتي الصغيرة تقول :دم… دم… دم… وهي تقصد صدري فتقبلني وتسيل دمعتها على خدي لتعلن انفجار بركان دموعي، وتمتزج دموعنا معاً، وإذا بدمٍ أحمرَ يسيل على وجنتها وأدركت بأنّي قد قسوت على القلم الذي في يدي وكسرته، فقلت لها يا تخافي يا صغيرتي وانظري حتى الجماد يثأر لقاتله فكلُّ شيء يدافع عن نفسه،
ذاك هو منزلنا الذي شرّدنا منه الغزاة ودنّسه حثالةُ البشر وهم لا يشعرون لأنّهم لا يملكون شيئاً من أحاسيس البشر فهم لا يشعرون بألمي وألمك.تلك الزيتونة زرعتها يدا جدي ومحراث والدي القديم وكأنّه يستنجد لحظة إصابته بطلقات الرصاص الغادرة، كلنا نستمع ونرى والأعين تغرق بالدموع ولا شيء يشغل بالنا سوى الانتقام.
وبلحظة تمرُّ أمام عيني كلُّ المؤتمراتِ، المنظماتِ الدوليّة، الفلاسفة، الأحزاب، محاكم العدل، المساجد، الكنائس، وارسو، الناتو، حقوق الإنسان، لأعلنَ بعدها بكلِّ ما هو مقدّس بأنَّ صوتَ أزيزِ رصاصة ابنتي المقاتلة أصدقُ من كلِّ المؤتمراتِ وقذارة أفكاركم وخبث نواياكم.
أجراس الكنائس ستدقُّ بكلِّ نقائها وصفائها، ستتحرّر من صمتها وأصوات المساجد ستتطهر من قبح سياساتكم، والسماء ستقول كلمتها من أجل ابنتي التي فقدت عينيها، ولن أتخلّى عمّا كنت أعلمه لأولادي من كتابي الوحيد الذي استطعت أن أنقذه من بين أيدي تلك القذارات وهو ما تركه لنا مظلوم دوغان، ستبقى مفتوحةً صفحاتُ المقاومةِ حياة .فلا تبكي يا صغيرتي نحن عائدون إلى بيتنا… عائدون الى عفرين.

التعليقات مغلقة.