سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الرسالة

رياض درار –

لم تكن رسالة طويلة كالمرافعات التي قدمها خلال فترة امتدت منذ اعتقاله بمؤامرة دولية، وكانت سجلا حافلا من مأساة شعب، إلى تطور العالم، إلى حلول جديدة مبدعة للتخلص من الشرور، ولبناء مشروع عالمي حضاري مؤسس على الحرية .
كانت كلمات الرسالة تختصر الأهداف كلها، حافظوا على الحياة فالأحياء قادرون على تحقيق الأهداف، اطلبوا السلام فإنه موجع أكثر لخصوم الحياة، حققوا الاستقرار لشعبكم وللمحيط تكونون نقطة جذب للمعاني السامية. ولذلك كان التقدير العالي لموقف المضربين عن الطعام بغاية فك العزلة وكان الطلب السامي للتوقف والحفاظ على الحياة، وابتكار أساليب أخرى.
العزلة لم تمنع القائد أوجلان من الاطلالة على الواقع، ومن الترفع على المعاناة الشخصية لتوجيه رسائل الحكمة والحل. حيث قدم رؤية للمخارج والحلول التي توقف معاناة الشعوب في منطقة غرب آسيا، التي تعيش صراعات دامية متنوعة وتهديدات من آثار الاستبداد، والنهب الاستعماري، والتخلف الحضاري، والقهر التسلطي. ورغم أن الزيارة الأخيرة جاءت بصدد الاستخدام البراغماتي من الحكومة التركية للحصول على تأييد الكرد لمرشح العدالة والتنمية في اسطنبول، إلا أن السيد أوجلان لم يستغل ذلك لهدف خاص، وأرسل رسالة مقتضبه مترفعة عن الآلام الذاتية، لتدعو إلى وعي الذات والمرحلة، وتقدير المواقف، ووقف النزيف الحاصل من دماء الشعوب، وإشاعة السلام والبحث عن الاستقرار.
أكدت الرسالة أنه في هذه المرحلة التاريخية “من الأهمية بمكان تحقيق توافق اجتماعي عميق. ولأجل حل الأزمة هناك حاجة مهمة إلى سبيل للمفاوضات الديمقراطية، بعيداً عن جميع أشكال الاستقطاب وثقافة الصراع”
إن عملية السلام التركية الكردية هدف مهم وضروري لكل المنطقة، وإن ادراك الحساسية من أثر التحولات الجارية ضروري لبدء محادثات السلام، ومثل ذلك على القوة الحاكمة أن تدرك قوة الكرد ودورهم، وضرورة التعامل الديمقراطي معهم، بدل التحالف مع القوى القومية المتشددة التي لا تخدم أهداف حزب العدالة وتوجهاته، وإنما تخدم الخصوم الشوفينيين الأتراك من الأحزاب القومية.
إن وقف نزيف الدم السوري ضروري لفتح باب التفاهمات، حول حل توافقي يقوم على بناء ديمقراطي، يضمن للشعوب السورية المشاركة في الحياة السياسية كمواطنين لهم الحق في الحياة والبناء والتنمية، سواسية دون تفريق، و”يقوم على وحدة الأرض وبناء ديمقراطيات محلية” هي هدف شعار اللامركزية الديمقراطية الذي رفعه المؤتمر الثالث لمجلس سوريا الديمقراطية. ومفهوم الأمة الديمقراطية الذي هو طرح سياسي غايته الخروج من مأزق الدولة القومية باستعصاءاتها التي تجلب الحروب مع الغير.
وفي سوريا يمكن لمشروع الحضارة الديمقراطية أن يطلّ برأسه ليشكّل ثقافة الحداثة، وينشىء الأمة الديمقراطية عبر الإدارة الذاتية، التي لا تهدف إلى هدم مؤسّسة الدولة، بل تهدف إلى بناء مجتمع جديد أخلاقي وسياسي ومنظّم على قاعدة المبادئ فمشروع الأمة يتمثّل بالدولة الديمقراطية، بمعنى أن النضال سيكون في سبيل تنظيم المجتمع دون المَساس بالحدود السياسية، ودون استهداف مؤسّسات الدولة، بل من خلال تكوين النظام الاجتماعي الديمقراطي الذي سيخلق الإرادة الاجتماعية، التي تستطيع إجبار الدولة على فتح المجال لفرض إرادة المجتمع على مؤسّساتها حتى تتحوّل إلى هيئات تنسيقية رمزية.
وهذا يتطلب من الفريق الذي قدم تضحياته بمواجه الارهاب أن يستثمر ذلك، فيقدر الحساسية التركية من التمدد والنشاط، ويسعى لتقديم ما يخفف التوتر، ويدفع لأمان المنطقة عبر اتفاقات مجدية ومحددة، تركز على التعاون واجتناب الحرب.
 وقد سبق لمجلس سوريا الديمقراطية وقيادة قسد أن عبّرت عن رغبتها التوصّل إلى صيغةٍ تنهي التهديدات التركية المتواصلة، من ذلك ما صرح به القائد العام للقوات، مظلوم كوباني، في اجتماع العشائر قبل الرسالة بقليل، عن وجود اتصالاتٍ مع تركيا برعاية وسطاء، وعن شروط استمرار هذه الاتصالات وهي لمصلحة الطرفين، فهي تحقق النجاح لتركيا بوقف مسلسل التنازلات التي قدّمتها لمنافسيها في سورية، والمطلوب تقديمها مما يهدد سمعتها في تحالفاتها المرتبكة، ويهدد علاقتها التاريخية مع حلف الناتو، والذي يمكن أن يتجدد فيما لو أدركت البعد من التفاهم مع سوريا الديمقراطية.
ركزت الرسالة على بعد السلام كهدف استراتيجي وأن الحل لمشاكل المنطقة يكون بعيداً عن الحرب وسبل العنف الجسدي، بل عبر القوى الناعمة، أي قوى العقل، والقوى السياسة والثقافية. وهذا مدار العمل المجدي وعليه السعي لتحقيق الأهداف.

التعليقات مغلقة.