سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

المرأة… سر الاقتصاد الزراعي

تقرير/ خضر الجاسم –

بالعودة إلى المجتمع الأيكولوجي قليلاً، فإننا نجد أن المرأة العضو هي الفاعل فيه وبدرجة كبيرة. إذ كانت المرأة كعادتها؛ تقوم بأعمال الزراعة على اختلاف أنواعها كونها تمثل امتداداً لتلك الطبيعة.

كون المرأة على معرفة تامة بكافة أشكال الزراعة، بدءاً من زراعة المحاصيل وجنيها، ومعرفتها لمواسم زراعة كل محصول في الأوقات المختلفة من السنة، وما الذي تحتاجه من مواد أولية للعمل الزراعي؛ فيكمن في ذلك سر نجاحها.
كما أن لها بصيرة في معرفة أهم الأمراض التي تصيب المحصول، وامتلكت القدرة على علاجها، بالطرق المناسبة. وتعلمت كيفية تسويق المحصول؛ إما داخل القرية، أو في المدينة، من خلال تجار المنتجات الزراعية، بشقيها الحيواني والزراعي. ولا يخفى على الجميع؛ قدرتها على ادخار بعض البذار، الذي من شأنها الاستفادة منه في العام المقبل لزراعة الأرض مرة أخرى.
كما تقوم بتحضير اللازم؛ من المؤونة للشتاء الطويل والقارس. هذا الفهم ولد انسجاماً جميلاً بين الطبيعة والمرأة، وأسهم إلى حدٍ بعيد، في توليد آثار إيجابية بين مختلف الفئات ذات الصلة بمحورية المرأة، وجرأتها، وحراثتها للأرض، بانتظار إنتاج المحصول. ومن هنا نشأت بدايات الاقتصاد الزراعي، الذي لعبت خلاله المرأة الدور الرئيسي في تطويره بالشكل الأمثل، من كونه أيضاً الشريان الذي يغذي اقتصاد البلاد.

المرأة خلقت الروابط
الاجتماعية الريفية

تروي مريم الحمود وهي مزارعة من قرية قرعة صغير، أنها عادة ما تخرج للعمل في الأرض؛ في أولى ساعات الصباح الباكر بعد أن تنهي جميع واجباتها المنزلية؛ بما فيها إعداد وجبة الفطور للزوج، والأبناء، الذين ينتظرون فور الانتهاء من الفطور الذهاب للمدرسة. بينما هي تكون قد خرجت مع النسوة، وقد حملت زوادة طعام تحتوي غالباً على بطاطا مسلوقة، وبندورة، وخيار، إضافة لقنينة ماء؛ بعدما تكون قد أماطت اللثام على وجهها.


وأشارت مريم الحمود إلى أن اللثام على وجهها؛ عبارة عن واقي من الشمس اللاهبة أكثر من كونه وسيلة زراعية، إذ تتخذه بعض المزارعات كذلك، وهو عادة شال قديم أو ما يسمى بالريف بالجمادنة؛ أي القماشة، والبريم الذي يضعه الرجل الريفي؛ على رأسه كزي شعبي. إذ لا تترك من وجهها ظاهراً سوى عينيها.
تنتظر مريم الحمود رفيقاتها؛ على أحر من الجمر، لتتبادل معهن أطراف الأحاديث الصباحية الشيقة التي يدور معظمها عن تدبير شؤون بيتها، والجهد والعناء الذي تتكبده في عملها بالأرض والتعب والمشقة التي تتعرض لها، الأمر الذي لا تستطيع تحمله أحياناً، فلا يمكنها إلا أن تفصح عن خلجاتها، وأحاسيسها البريئة لرفيقاتها.
وفي حال بدأ عملها في الأرض؛ إلى جانب رفيقاتها، فإنهن يقمن جميعهن بحركة منتظمة، عبر ترديد ترانيم ريفية صادحة، ذات جرس منمق. وذلك أثناء سيرهن بخطا ثابتة من مثل: «كوم درجني يا بو باكورة…. جان ما مريتلك معذورة….هلي وأعمامي مبيتين النية».

قبل البدء بالعمل يقمن بربط خصرهن بحزامٍ من قماش؛ ليرفعن به إزارهن قليلاً، فيما يعرف عند أهل الريف بالشليل؛ الأمر الذي يمكنهن من حرية الحركة بيسر، وسهولة شديدتين. على الرغم من ارتفاع الحرارة حتى تكاد تحرق الأرض من تحت أقدامهن، غير مباليات، متحديات اليأس وبشيء من الأمل؛ الذي يواجهن به أعباء حياتهن الصعبة.

ضمان الأراضي الزراعية
لمربي الأغنام

وحدثتنا مريم الحمود قائلةً: «حين تنقضي فترة أربعين الشتاء؛ نقوم بالاستعداد لحراثة الأرض تمهيداً لرش البذار. وعلى الرغم من أنه يستخدم الجرار؛ للقيام بهذه الأعمال بكل يسر وسهولة، إلا إن المرأة كثيراً ما تتواجد لإزالة الحصى، والأعشاب الضارة، إضافة لتمهيد بعض الأتربة المرتفعة. وبعدها يتوقف عمل المرأة بالأرض؛ إلى حين نهاية الموسم. إذ عادة ما يعتمد الموسم على هطول الأمطار؛ والتي جاءت قليلة هذا الموسم؛ مقارنة بالأعوام السابقة. وهذا ما أدى إلى تضرر المحاصيل جراء الجفاف التام، إضافة لتعرض البعض منها؛ في آخر الموسم، لخطر الفيضانات، والسيول التي شهدتها أغلب المناطق في ريف منبج، الأمر الذي نجم عنه خسائر كبيرة في المحاصيل الزراعية، وتضرر أصحابها بشكل كبير».
وتعتقد مريم الحمود أن كثيراً من المزارعين، لجأوا إلى ضمان الأرض، والقبض على الفرصة الأخيرة، لعلهم يعوضون شيئاً، مما قد خسروه هذا الموسم. وضمان الأرض؛ هو عبارة عن تأجير الأرض؛ لأحد مربيي الأغنام، للرعي في المحصول على اعتباره أضحى أشبه بالعلف؛ مقابل مبلغ من المال؛ متفق عليه بين الطرفين. وتبلغ نسبة ضمان الأرض للهكتار الواحد 60000 ل. س في بداية الموسم، إلا أن هذه النسبة، قد تراجعت بعد الجفاف الشديد؛ إلى نسبة 40000 ل. س للهكتار الواحد.

زراعة الخضار الصيفية

وتابعت مريم الحمود أنها فور الانتهاء من تضمين الأرض؛ فقد باشرت بشتل غراس البندورة، والباذنجان، والفليفلة، إذ تعد منبج من المناطق التي تشهد إقبالاً من الفلاحين في فترة الصيف على زراعتها. على الرغم من تأخر زراعتها بسبب الفيضانات، والسيول، التي ضربت منبج مؤخراً، الأمر الذي أدى لخوف المزارعين؛ من تضررها هي الأخرى؛ كموسم القمح. يقوم المزارعون بغرس الشتل، بعدما تمت حراثة الأرض بالجرار، مع وضع كثير من مادة الدرج عليه؛ وهي عبارة عن روث الأغنام؛ باعتباره سماداً طبيعياً، وخلطه بالتراب جيداً، ثم تبدأ عملية تجهيز أنابيب الري الحديثة بشكل طولاني، إذ يتوجب وضع شتلة مقابل كل ثقب موجود في الأنابيب. وبحسب رأي مريم الحمود فإن الخضار؛ تستجيب بسرعة فائقة للدرج، والماء في زيادة إنتاجها، وبكميات ضخمة، وذلك بحسب اعتناء الفلاح بالأرض. وتعتبر الخضار الصيفية؛ من المواد الغذائية التي لها رواج في سوق منبج المحلي باعتبار أن الأهالي في منبج يفضلونها على الخضروات البلاستيكية. إذ يكون سعر الخيار100 ل.س، بينما البندورة بسعر 100 ل.س، والباذنجان بـسعر125 ل.س. ويعمد المزارعون إلى زراعتها كونها مواد أساسية تستخدم في الحياة اليومية؛ ولسهولة التسويق والعرض. إذ؛ يستهلك المزارع قسماً مما قد زرعه، ويبيع الفائض منه.
هكذا المرأة الريفية؛ لا تتوقف عن عطائها الكبير لأسرتها، ومجتمعها ودفع الاقتصاد نحو التطوير؛ حيث يخفى على كثير منا هذه الحقائق وعن مساهمة المرأة بتلك الأمور.

التعليقات مغلقة.