عندما نتحدث عن المسرح الغنائي، وبداياته، وأهم أعلامه، وكيف لامس بفنه شغاف قلوب الملايين يطفو على سطح الذاكرة العربية، والسورية اسم “أبو خليل القباني” ابن مدينة دمشق الذي، ولد فيها إبان الحكم العثماني عام 1833ودفن فيها عام 1903وهو أحد أبناء أسرة أقبيق العريقة، وعم لوالد الشاعر “نزار قباني”.
نشأ في رحاب أسرة متدينة درس علوم اللغة، والدين في الجامع الأموي، وكان في شبابه يفضّل حضور الليالي الفنية التي كانت تقام في مقاهي دمشق وعرف عن ولّعه بسماع حكايات الظاهر بيبرس، وملاحم عنترة كما اشتغل بالغناء والموسيقا والتواشيح، ويعتبر أبو خليل القباني أول من أسّس المسرح العربي في القرن التاسع عشر في دمشق، وقدم عروضاً مسرحية، وغنائية وتمثيليات عدة منها (ناكر الجميل، وهارون الرشيد، وعائدة، والشاه محمود، وأنس الجليس) وغيرها، وقدم أول عرض مسرحي خاصٍ به في دمشق عام 1871م، وهي مسرحية الشيخ وضاح التي يقال أنه كتبها في ثلاثة أيام، وقدمها في باب الجابية، ولاقى العرض استحسان الناس وحاز على إعجابهم أيما إعجاب، مما دفع الوالي إلى تكليفه بتأليف فرقته للتمثيل في عام 1979، وفي حديقة تسمى “جنينة الأفندي” في باب توما قدم مسرحية (عائدة) المترجمة عن الإيطالية، والتي وضع ألحانها الإيطالي فيردي، وقدم القباني في سنواته الأولى حوالي 40 عرضاً مسرحياً، وغنائياً، وتمثيليات، وبعد النجاح الكبير له في مدينة دمشق سافر مع مجموعة ممثلين فنانين، وفنانات سوريين إلى مصر حيث حمل معه عصر الازدهار للمسرح العربي، والذي يعد بلا منازع رائده.
التعلق الشديد بالفن المسرحي:
ازدادت شهرة القباني وذاع صيته عندما قدم المسرحية الغنائية (أنس الجليس) عام1884 ويقال أن الجماهير كانت تحتشد أمام باب مسرحه في طوابير طويلة قبل بدء العرض حاملة معها مؤونة الانتظار؛ ليشاهدوا مسرحيات تروي قصصاً تشبه حالهم، وقد تتلمذ على يديه الكثير من رواد المسرح، سافر القباني إلى العديد من البلدان وقدم عروض مسرحية كثيرة ومسرحيات عالمية شتى، وبسبب ولّعه الشديد بالموسيقا استطاع أن ينقل الأغنية من على التخت الشرقي ويضعها فوق المسرح فأصبحت الأغنية بذلك جزءاً من العرض المسرحي، وقد كان الطابع الغالب على هذه الأغاني هو الإنشاد الفردي، والجماعي بالإضافة إلى الرقص العربي السماعي، فقد عُدّ القباني من أكبر أساتذة الموسيقا العربية في التأليف والتلحين، وقد ألف ولحن أشهر الأغاني الفلكلورية السورية وهي أغنية “يا طيرة طيري، ويا مال الشام، وصيد العصاري”، هذه الأغاني التي ترددها أفواه السوريين إلى يومنا هذا، وبعد مسيرة القباني الطويلة، والتي رسخ من خلالها أسس المسرح العربي الغنائي، وتخريجه للعديد من أعلام المسرح العربي دوّن في سنواته الأخيرة مذكراته، وبعد قضائه لعقود من عمره على خشبة المسرح توفي بمرض الطاعون في دمشق ودفن فيها تاركاً أسس، وبداية المسرح العربي، ومازال المسرح المعروف باسمه مسرح القباني قائماً في أحد أحياء دمشق حتى اليوم .
إعداد/ غاندي إسكندر.