مصطفى الخليل –
في الفترة الماضية كثُر الحديث عن منطقة إدلب الواقعة بشمال وغرب سوريا، في موقع استراتيجي بالقرب من الساحل السوري والحدود السورية التركية، وتعتبر منطقة زراعية حيث يطلق عليها اسم “إدلب الخضراء”؛ نظراً لكثرة أشجار الزيتون والأراضي الزراعية المنتجة لكافة المحاصيل فيها.
وفي الفترة الأخيرة؛ أصبحت محط أنظار العالم نتيجة تمركز الفصائل المرتزقة الموالية لدولة الاحتلال التركي فيها، بالإضافة إلى جبهة النصرة أو هيئة تحرير الشام التي غيّرت اسمها لتبعد عنها اسم الإرهاب، ومن القاعدة المصنفة عالمياً على قائمة الإرهاب. والخطوة التي أقدمت عليها كانت بإيعاز من الاحتلال التركي وقطر الداعمتين لها؛ لإظهارها كفصيل معتدل في المنطقة، ولكنها انقلبت على بقية المجاميع في إدلب لتسيطر على تلك المنطقة، وتفرض تعالميها وأفكارها كما فعل داعش في الرقة والموصل. ولكن؛ اختلف شكل التعامل مع إدلب لتكون مساحة إدلب أصغر من المساحة التي كانت يسيطر عليها مرتزقة داعش في سوريا والعراق، وداعش استخدم شعار “الخلافة الإسلامية” لجذب المنضمين إليه من مختلف أنحاء العالم، حيث تجاوزت عمليته في كثيراً من الأحيان حدود سوريا والعراق وامتدت إلى دول وعواصم أوروبية، حيث شكل تهديداً للعالم بأسره.
ولكن هذه المرة يختف المشهد تماماً عما سبقه، وهناك تصعيد كبير من قبل الطيران الحربي التابع للنظام والروس لريف إدلب الجنوبي والريف الشمالي لحماة، ولم نشاهد ظهوراً كبيراً لإيران خلال هذه العملية، ومن المعروف أن إيران وميليشاتها العراقية واللبنانية كانت تشارك بشكل كبير في كل عملية يطلقها النظام السوري كونها حليفاً أساسياً له. وفي التوقيت نفسه؛ هناك تحركات للفصائل الموالية للاحتلال التركي في مناطق قريبة من الشهباء وتل رفعت وكل الدلائل تشير إلى حسم الأمور هناك عسكرياً.
وبناء جدار التقسيم حول منطقة عفرين بطول 80كم وفق هذه المعطيات التي تجري على الأرض وبخاصة في منطقة شمال وغرب سوريا، يترك لدينا الكثير من الأسئلة التي تطرح نفسها حول ما سيؤول إليه الأمور هناك وفي عفرين.
وحسب الوقائع؛ يبدو أن هناك صفقة بين الأتراك والروس تشمل إدلب وريف حلب وعفرين، تم فيها استبعاد إيران منها في خطوة لإرضاء الغرب والأمريكيين؛ لأن الأمريكان متخوفين من سيطرة إيران وميلشياتها على المنطقة، ورغبة الروس في بسط سيطرتهم على المناطق القريبة من الساحل السوري، لحماية قواتها هناك، والوقوف في وجه النفوذ الإيراني في الساحل. وقد ظهر جلياً الخلاف الروسي الإيراني في سوريا وبخاصة في الآونة الأخيرة، ولذلك استهدفت الطائرات الروسية وقوات النظام السوري المنطقة القريبة من سهل الغاب، وتم السيطرة على كفر نبوذة وقلعة المضيق من قبل النظام والروس. والعمل في السيطرة على مناطق أوسع في الأيام المقبلة، وهي التي ستحدد مدى الصفقة التي قد تكون هناك اتفاقات بشأنها.
أما في الطرف الثاني من الصفقة هم الأتراك الذين يستمرون في بيع الأراضي السورية مقابل صفقات مع الروس، وكانت عفرين في وقت سابق ضحية لتلك الصفقات التي وقِّعت بين الأتراك والروس، واليوم تسعى دولة الاحتلال التركي للحصول على مناطق الشهباء وتل رفعت في مقايضة جديدة؛ كون هذه المنطقة قريبة من عفرين وغالبية ساكنيها من أهالي عفرين، وتحميها قوات سوريا الديمقراطية وتدافع عنها، والتي تعتبرها دولة الاحتلال التركي خطراً عليها، بالرغم من أن ادعاءاتها كاذبة وليست لها أي معنى، ولم نسمع أية خروقات على الحدود التركية المحاذية لتلك المنطقة من قبل القوات التي تتمركز هناك، فدولة الاحتلال التركي هي التي تنتهك كل الأعراف والقوانين الدولية.
وأهالي تلك المنطقة اتخذت من المقاومة السبيل الوحيد للدفاع عن أرضهم، وهم يقفون خلف قوات سوريا الديمقراطية بالإمكانات كافة؛ لصد أي عدوان محتمل، وستختلف أوجه المقاومة عند أي هجوم وأيضاً الهدف القادم هو تحرير مدينة عفرين. وباعتقادي أن الوضع في الداخل التركي لا يسمح في القيام بمثل هذه العمليات وبخاصة بعد خسارة حزب العدالة والتنمية عدة مدن كبرى في الانتخابات المحلية، ووضعها الاقتصادي المتدهور الذي يزداد تعقيداً يوماً بعد آخر، وفي المراحل القادمة ستكون دولة الاحتلال التركي الخاسر الأكبر من كل ما يجري على الساحة السورية.