فادي عاكوم –
طامة كبرى ستقع أو وقعت فعلاً على رؤوس جزء كبير من السّوريّين، والطامّة الأكبر أنّهم أتوا بالمصيبة بأنفسهم وساعدوا على تركيزها، وهي التتريك، أي نشر وفرض الثقافة التركيّة في المناطق التي تسيطر عليها الفصائل المسلّحة المرتزقة المدعومة من تركيّا. فهذه المناطق تحيطها الاحتلال التركي بحماية عسكريّة لتنفيذ خطّتها المتمثّلة بسرقة الأرض السّوريّة أو جزء منها بمساعدة السّوريّين أنفسهم، فالدّاخل إلى هذه المناطق يُخيّل له بأنّه دخل إلى منطقة تركيّة، والعَلَمُ التركيّ مرفوعٌ في كلّ مكان، على المباني الحكوميّة ومباني الخدمات والمدارس والمقرّات العسكريّة، وفي المدارس يتمُّ تعليم اللّغة التركيّة كلغة أساسيّة، وكلّ هذا يتمُّ والسّوريّون والعرب غائبون عن الواقع.
والغريب أنّ السّوريّين الذين ينشرون التتريك على حساب قوميّتهم العربيّة هم أنفسهم كانوا يرفضون تعليم اللّغة الكرديّة ولو حتّى كلغة ثانية أو ثالثة لطلّاب المدارس، ويرفضون حتّى إطلاق تسمية “كوباني”؛ بحجّة الحفاظ على الهُويّة العربيّة وعدم التفريط بها، ولو قُدِّرَ لهم اليوم، مواجهة القوّات الكرديّة للحفاظ على الهُويّة العربيّة ووقف أيّ نشاط للكرد، سيفعلونها دون تردّدٍ. والأمر ليس اعتباطيّاً أو يتمُّ بشكل عشوائيّ، فالأتراك أو العثمانيّين الجُدُد يمارسون الانتشار بنظام ودقّة، للبقاء أطول فترة ممكنة في الأراضي السّوريّة التي يحلمون بسرقتها، والأمر لا يكلّفهم الكثير، فالقليل من الرّواتب الهزيلة وبعض المدارس والدّعم اللوجستيّ كافٍ جدّاً لتنفيذ المخطّط، ويبدو أنّه سائر على طريق النجاح، مع كل أسف.
والمؤلم في الأمر أنّ المجموعات المسلّحة ترفع العلم التركيّ، وهو أمرٌ خطيرٌ جدّاً وله مفاهيم كبيرة تتعلّق بالولاء، والولاء هنا للعَلَمِ التركيّ، الذي يُرفع في كلّ المناسبات الرّسميّة والاحتفالات، وحتّى يُرفع خلال المسيرات العسكريّة والطلّابيّة، لو استمرّ الوجود التركيّ في سوريّا وبقيت مخيّمات اللّاجئين في تركيّا مدّة أطول، سنكون أمام معضلة كبيرة ستكلّف أرواحاً كثيرة للتخلّص منها. مع الإشارة إلى أنّ الأتراك يُصرّون على إبقاء المخيّمات في الدّاخل التركيّ وفي المنطقة الحدوديّة، باعتبارها (أي المخيّمات)، خزّانٌ بشريٌّ هائلٌ يؤمّن للأتراك العسكر المطلوب لتنفيذ المخطّطات التوسّعيّة، فهناك جيل كامل من الأطفال السّوريّين ينشؤون على التتريك ويشاهدون الأجيال الأكبر منهم يدينون بالولاء الكامل للأتراك، وبالتالي فإنّه (الجيل الجديد) سيكون الوقود الذي سيتمّ إشعاله من إسطنبول أو أنقرة.
وبالنتيجة؛ لا يمكن القول إلا إنّه عارٌ يلحق بجزء كبير من السّوريّين، عارٌ لن يمحوه التاريخ، لأنّه سيغيّر الطبيعة الديمغرافيّة للمنطقة، وهو عارٌ لا يمكن التخلّص منه بسهولة، وسيؤدّي دون أدنى شكّ إلى مواجهات وصدامات دامية في القريب العاجل، فأردوغان لن يُرسل جنوده لتنفيذ مآربه، بل سيتّكل على “المتتركيّن” ومن قبل التتريك طواعية بشكل كامل، والذين تتمُّ إدارتهم من مكاتب كبار الضبّاط الأتراك، ولا سلطة لأيّ ضابط من الضبّاط السّوريّين المتتركيّن عليهم، بل هم مجرّد واجهة لا أكثر، العارُ على كل من قبل بالتتريك، والعارُ على كل من يروج للتتريك.