No Result
View All Result
السيد عبد الفتاح ـ صدى سيا –
التّعارف بين الشعوب والأقوام وتوثيق العلاقات والتعايش السلميّ فيما بينها، هو أحد أهمّ الحِكَمِ المُبتغاةِ من خلق الإنسان، يقول تعالى في كتابه الكريم “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا”، والحقيقة أنّ الإنسان لم يُخلق ليعيش وحيداً منعزلاً عن غيره من البشر، وإنّما لكي يحيا بين إخوانه في الإنسانيّة. وتذخر أوراق التّاريخ الإنسانيّ بالكثير من نماذج التّعارف والتّعايش والعلاقات الوثيقة بين الشعوب والأقوام، ليس المتجاور منها وحسب، بل وكذلك بين شعوب وأقوام غير متجاورة جغرافيّاً، ومختلفة قوميّاً ولكنّها في البداية متّحدة إنسانيّاً، فكلّ الأقوام والبشر ينتسبون لأبٍ واحد وأمٍ واحدة، فالأصل واحد وإن تنوّعت الجذور اللّاحقة والقوميّات، وتباعدت المسافات، واختلفت الألسن. ومن أقدم هذه النماذج والتي نودّ الإشارة إليها والتأكيد عليها والاستفادة منها والاقتداء بها، ما جمع بين الشّعب المصريّ القديم في العصور الفرعونيّة السحيقة، وبين الشعب الذي عاش في منطقة شمال وشرق سوريّا وفي المقدّمة منهم الكرد، وهو نموذج مشرّف وعلى أعلى مستوى من الرقيِّ والتمدّن والتقدّم والقوّة؛ ما يجعلنا نطالب بالاقتداء به، حتّى يسير الأحفاد على خطا الأجداد فيرسّخوا السّلام ويوثّقوا الأخوّة الإنسانيّة. والثابت تاريخيّاً أنّ أقدم علاقة بين هذين الشعبين ترجَع إلى القرن السّادس عشر قبل الميلاد، في ضوء ما حدث بين الإمبراطوريّة الفرعونيّة والمملكة الميتانيّة التي أسّسها الميتانيّون أجداد الكُرد حوالي عام 1500 قبل الميلاد. وازدادت هذه العلاقة قوّة في عهد الملك الميتانيّ “توشرتا” حوالي عام 1390 قبل الميلاد، والذي تصفه الوثائق المصريّة بأنّه “الصديق الموالي لمصر”، حيث كانت بينه وبين ملوك مصر رابطة مصاهرة ونسب، وله مراسلات مطوّلة مع الملك أمنحوتب الثالث وابنه أمنحوتب الرّابع، ووُجد بعض من هذه الرّسائل المتبادلة في تلّ العمارنة بمحافظة المنيا المصريّة، مكتوبة باللّغة الميتانيّة في حوالي 600 سطر.
وتؤكّد مصادر المؤرّخين الكرد أنّ إحدى شقيقات هذا الملك الميتانيّ كانت من بين زوجات الفرعون المصريّ أمنحوتب الثالث، وإحدى بناته “نفرتيتي” كانت زوجة للفرعون أمنحوتب الرّابع والذي اشتهر باسم “أخناتون، وفي إحدى تلك الرّسائل كتب الملك الميتانيّ للفرعون: “إلى الملك العظيم، ملك مصر، أخي، صهري الذي يحبّني والذي أحبّه، عسى أن تكون في حالة حَسَنَةٍ، وبيتك وشقيقتي وسائر نسائك وأولادك ومركباتك وخيولك وجيشك وبلادك وجميع ممتلكاتك، ليكثر السّلام عليك”.
إنّ قصّة إخناتون ونفرتيتي نموذج عريق وحيّ للوحدة الإنسانيّة والأصل الذي يجب أن تكون عليه العلاقات بين الشّعوب والأقوام مهما باعدت بينهم عوامل الجغرافيا والجبال والصحاري والبحار والمحيطات، فعلى الرّغم من كلّ تلك العوائق؛ فإنّ الإرادة الإنسانيّة، إذا صحّت وتوفّرت، ذللت تلك الموانع، وتغلّبت المشاعر الإنسانيّة عليها بكلّ سهولة، ونموذج إخناتون ـ نفرتيتي خير مثال على ذلك. فالتاريخ يقول إنّ الإمبراطوريّة المصريّة القويّة والمملكة الميتانيّة – وفي بعض الأقوال الدّولة الحثيّة – في شمال سوريّا، كان بينهما صراع شديد على بسط النّفوذ والهيمنة وزيادة رقعة الأراضي التي تسعى كلّ دولة للسيطرة عليها وحكمها، وبالتالي كان من الطبيعيّ أن تنشب بينهم حروب طاحنة، في محاولة من كلّ طرف لإثبات جدارته وإخضاع وقهر الطرف الآخر، لكن على ما يبدو أنّ الحروب لم تكن حاسمة في أن تقرّر لمن يكون النصر والسيطرة على الآخر، ليتوصّل الطرفان إلى نتيجة واحدة وهي أنّ الحروب ليست الطريقة المُثلى لبسط النّفوذ وإقامة الإمبراطوريّات والممالك وتأمين شعوب ورعايا هذه الإمبراطوريّات والممالك وحمايتهم وحماية حدودها، وأنّ السّلام هو الضامن لتحقيق الأمن والاستقرار والبناء والتنمية، ومن هنا أدرك ملوك الدّولتين أنّ التّقارب والتعايش السلميّ بينهما أسهل وأحقن للدّماء وإرساء دعائم السّلام وبناء الحضارات.
وبعد أن وصلت الدّولتان إلى هذه النتيجة سعيتا جاهدتين ومخلصتين للتقارب فيما بينهما وللتبادل الحضاريّ والتّجاريّ والثّقافيّ، لينشأ شكل جديد وأرقى من أشكال العلاقات، وتكون الأخوّة هي البديل الأصحّ للعلاقات بين الشعبين والدّولتين لما فيه صالح الإنسانيّة، ووسط هذه الأجواء حدثت المصاهرة بين الفرعون المصريّ والملك الميتانيّ، كتتويجٍ للرّغبة القويّة والرّاسخة للتّعايش والتّعاون والأخوّة، وتكون الأميرة الميتانيّة ”تادوخيبا” أو “نفرتيتي” والتي يعني اسمها “أتت جميلة الجميلات”، هي “عربون” المحبّة بين البلدين والشعبين، لتتزوّج من الأمير الذي صار بعد ذلك الفرعون ”أمنحوتب الرّابع” والمعروف باسم” أخناتون”، ليقدّم الزّوجان نموذجاً عريقاً ورائعاً وراقياً لأخوّة وصداقة الشعبين آنذاك. ما يهمّنا هنا ليس هو السّرد التّاريخيّ، وإنّما استخلاص العبر من هذه العلاقة والزّيجة التي في رأيّي كانت البذرة التي صارت بعد ذلك شجرة ضخمة، راسخة الجذور، قويّة السّاق، وارفة الأوراق، للأخوّة بين الشّعوب، تظلّل كلّ معاني المحبّة والسّلام والتّعايش السلميّ بين الشعوب والأقوام، فارضةً قيماً سامية بدلاً من الصراعات والحروب والدّماء.
وإذا ما كان أجدادنا نحن في مصر وسوريّا وخاصّة شمالها، قدّموا هذا النّموذج الرّائع (إخناتون/نفرتيتي)؛ فإنّنا كأحفاد مطالَبون بأن نسير على نفس خطا الأجداد، لنكون خير خلفٍ لخير سلفٍ، ولترسيخ المبادئ التي أرسوها قبل آلاف السنين بالتّعايش السلميّ والأخوّة بينهما، ففي ظلّ هذه القيم ترعرعت الحضارة الفرعونيّة والميتانيّة وقدّمتا للبشريّة الكثير والكثير.
والحقيقة أنّنا الآن في حاجة ماسّة لأن نواصل السير على طريق الأجداد نفسه، طريق السّلام والأخوّة والتّعايش السلميّ بين الشّعوب والأقوام، وأن نسعى ونعمل جاهدين بكل ما أوتينا من قوّة وبإخلاص وإيمان راسخ، لما يجدّد ويضخّ الدّماء الجديدة في شرايين هذه العلاقات التّاريخيّة الضاربة في أعماق التّاريخ، وهي في ظنّي عمليّة ليست مستحيلة أو حتّى صعبة، فأجدادنا وضعوا القواعد الرّاسخة والقويّة التي تضمن لنا أن نبني عليها ونحن مطمئنون إلى رسوخها وقوّتها. إنّ شعوب المنطقتين تتوق لإرساء هذه القيم من أخوّة وسلام وتآلف وتعاون وتكاتف لما فيه خيرها، وفيما يحقّق النّفع للإنسانيّة، وهذه الشّعوب تنتظر من نخبها أن تقوم بهذا الدّور الرّائد والطليعيّ والقائد لمثل هكذا علاقات وبناء وتعاون، وهنا الجميع مُطالبٌ بأن يؤدّي دوره المنوط به ولا يتراخى في القيام به، فعلى السياسيين أن ينبذوا كلّ ما يفرّق ويشيع ويؤجّج الصراعات والخلافات، وأن يتساموا ويرتقوا بعيداً عن المصالح السياسيّة والذّاتيّة الضيّقة، ويسارعون إلى التّقارب خدمةً لشعوبهم، وكذلك المفكّرين والمثقّفين والفنّانين وجميع الشرائح عليها أن تسارع إلى البدء بالتحرّك نحو الآخر بكلّ ثقة وإخلاص، وتتآزر الأيادي وتتلاصق الأكتاف في عمليّة بناء حضاريّة تشعّ سلاماً وأخوّة، ولتكن نفرتيتي وأخناتون رمزاً لهذه الأخوّة والتقارب والتعايش المشترك.
No Result
View All Result