سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الأدب والحياة

أحمد يوسف –
الأدبُ بمختلف أنواعه نتاجُ أديبٍ ما، عاصر وعاش هموم مجتمعهِ في البيئة التي يعيش فيها، خالط الناس وتفاعل وانفعل معهم، فهو في أسواقهم وفي شوارعهم ونواديهم المختلفة، ولا يمكن إطلاقاً أن ينتج نصّاً خالداً وهو منكبٌّ أسير كتبهِ بين جدران مكتبته، فالأديب الفذ الناجح هو من تنطلق نصوصه من الواقع الذي يعيشهُ، حيث يجد الناس همومهم وآلامهم وآمالهم منثورةً في سطورهِ فتلامسُ شغاف قلوبهم وتنصهر أرواحهم وتنفعل مع تلك السطور، شعراً أو نثراً أو قصةً أو رواية، ومن هنا عليه أن يخالط الناس فهو ابن البيئة التي يعيش فيها.
كيف لأديبٍ أن يترفّع عن مخالطة الناس والاستماع إليهم وإلى معاناتهم؛ فالحياة كما قال الدكتور زكي مبارك: «هي كتابُ الأديب، فالأدب يجب أن يكون من وحي الحياة، ومن الضروري أن نعيش الحياة حتى نكتب آيات الوجود، لا أن نترك الحقيقة ونبحث عنها في الخيال، ونهرب من العالم ونلجأ إلى القلم».
ومن هنا فالكاتب الذي لا يكتب نصوصاً تزخر بالحياة وتتفاعل مع الوجود المحيط به وتتحد بالحقيقة والواقع لا يمكنها إطلاقاً أن تظل عالقة في أذهان الجماهير، لأنّها لا تلبّي طموحاتهم ولا تلامس الحالة التي يعيشونها، فهي إن تخطّت ذلك أصبحت ضرباً من ضروب الخيال لا تلبث أن تُنسى وتندثر حتى ولو كانت من أقوى النصوص من ناحية التركيبة البلاغيّة، لأنّها لا تلامس روح القارئ ولن تتخطّى أذنه، فما كان مصدره القلب والصدق أثّر في القلوب، وما كان خيالاً بعيداً زال كالسراب، وقد أشار إلى ذلك أيضاً الدكتور زكي مبارك حين قال: «تركت العالم يموج على شواطئ نهر السين، ولكن لماذا؟ لأقرأ كتاباً يتحدث عن العالم؟ هذا حمقٌ وسفهٌ. كيف أترك الحقيقة ثمّ أبحث عنها في ألفاف الخيال؟
الجاحظ، أحد أكبر الكتّاب والنوابغ، أدرك هذه الحقيقة وطبّقها تطبيقاً صحيحاً في حياته. كان ينامُ في دكاكين الورّاقين (أصحاب المكتبات) لينظر فيما حوته الكتب، وقد ثابر على ذلك طيلة حياته، حتى كان أحد شهدائها الأمجاد، فقد انهارت عليه رفوفها وهو مقعدٌ، فذهب في موكب الظمأ الذي لا يرتوي إلى المعرفة.
بيد أن الجاحظ، وهذه حاله مع الكتب، لم يكن يسمح لها أن تحجب الناس عنه، فقد كان يعيش ليلاً مع الكتب ونهاراً مع الناس، يشاكل طبقاتهم، ويسألهم عمّا يهمّه ويريد أن يتفّهمه، ويأخذ من كلّ من يعتقد أن عنده من المعارف ما ليس عن سواه.
وفي أخبار الأدب الفرنسيّ أنّ أديباً كان يكتب كلّ يومٍ قصة ويرسلها إلى إحدى الجرائد، وكان يتمنّى في كلّ صباح أن تُنشر له قصّة فيأخذ عليها أجراً ينتفع به في معاشه، ولكن تلك الجريدة لم تنشر له، فأصيب بإحباطٍ شديد، وفي أحد الأيام أراد أن يتأمل البيت الذي يعيش فيه فصادف أخبار طفلٍ يتيم دمعت له عيناه؛ فكتب فيه أقصوصة سمّاها (اليتيم) وأرسلها إلى تلك الجريدة التي أهملت كتاباته السابقة، وكان يخشى أن تلاقي ما لاقته سابقاتها من الإهمال، وفي الصباح التالي استيقظ فرحاً وهو يراها منشورة، وقد أتاه المراسل بصكٍّ فيه مبلغ من المال وبطاقة ثناء على قصته، فأراد أن يقارن ما حصل معه ويحاسب نفسه، فرأى أقاصيص الأمس كانت من وحي الخيال، أما قصّة اليوم فكانت من وحي الحياة، وهذا هو السرّ فيما ظفرت به من القبول.
ومن هنا أنصح كتّابنا وأدباءنا أن يكونوا أبناء مجتمعاتهم وألّا ينفصلوا عن واقعهم وهموم أمتهم وشعوبهم فلعمري لن يخلد كاتب أو نصٌّ خارج دائرة الواقع.

التعليقات مغلقة.