No Result
View All Result
سيهانوك ديبو –
الجدار في الأسطورة يعني الموت، وفي الفلسفة يعني فصل الواقع الأساس، وفي السيسيولوجيا يعني الحجز بين الظاهرة المعاصرة وتاريخها، وفي السياسة فإنه يعني الخوف؛ المزيد من الخوف وفي الوقت نفسه ضخ أكبر حجم من الخوف من خلال التصوير بأن الخطر يُقدم من وراء الجدار (الجدران المشيدة)، علماً بأن الخطورة تأتي ممن يبني الجدار.
جدار عفرين الاسم هنا خاطئ لا يذكر التاريخ بأنه في عفرين بُني جداراً واحداً ذات يوم حتى يُبنى اليوم، إذاً اسمه جدار أردوغان في عفرين. ومعنى مثل هذا الجدار إنما الخوف وفصل الواقع الواحد بالأساس ويراد منه الحجز نيلاً من تاريخ هذه الحاضرة الموغلة في التاريخ، علم الأركولوجيا/ الآثار يقف إلى جانب عفرين كما يقف شعب عفرين ذو الهوية الكردية والسورية في الوقت آنه إلى جانب مستقبل أرضهم، ترابهم، زيتونهم، جبالهم، وديانهم، ماءهم، وآثارهم. إلى جانب قضية عفرين خصوماً ضد المؤامرة المكشوفة الفاضحة التي وقعت على رأسهم، المؤامرة حيكت من قبل أكثر من أربعين حرامي لصالح رئيس عصابة اسمه أردوغان. ذنب هذه المدينة بأنها كردية الهوية وسوريّة الانتماء؛ سوريّة الهوية وكردية الانتماء، وأن سكان عفرين الذين بلغوا يوم المؤامرة نصف مليون عفريني فتحوا بيوتهم لنصف مليون سوري هاربين من بازارات اللصوص وقطاع الطرق وقاطعوا طريق الحل السوري؛ فرّوا من بيوتهم حينما وجدوا بأن بيوت عفرين دافئة تشبه بيوتهم. من الأخيرة وفي الوسط وفي المقدمة لا يحتاج إلى عناء التحليل، ذنبها أنها قدمّت مع توأميها: كوباني والجزيرة صورة متقدمة للحل السوري وأسسنَ سوياً إدارات ذاتية ديمقراطية لا غالب فيها لانتماء معين إنما إدراك الانتماءات المتعددة. من خلال الإدارة الذاتية وكرصد لهذه التجربة منذ نشوئها يُذكر بأن حروب الشرف والانتصارات التاريخية المتحققة لم تكن لأول مرة بين الكردي والعربي، وبين المسلم والمسيحي، وبين السني والشيعي وهلم جراً، من المشهودة به على أرض هذا الشرق الأوسط. لو قُدّر أن يتحدث ترابها لارتفعت قامات من الدماء، لقد كانت معارك الإدارة الذاتية من أجل الديمقراطية وما زالت فيها كل هذه الانتماءات، إلى جانب بعضها ضد جميع هذه الانتماءات التي وجدت نفسها ممشىً أو زحلقة، إلى جانب الاستبداديات أو إلى جانب الإرهاب، بالأساس ما بين الاستبداد والإرهاب مشيمة مختلفة مشيمة لا تنقطع، كلاهما أمٌ وكلاهما تولِّد الآخر.
المنطق والحكمة لا يتلقيان إلّا ما ندر، في احتلال عفرين يجتمعان دون مهادنة، كلاهما أي المنطق والحكمة يؤكدان بأن السماح لاجتياح عفرين واحتلالها فيما بعد حدوث أبشع أنواع الصفقات خسة وذلاً بحق شعب سوريا وتاريخها، انقسم فيها كل ما في غرب الفرات ما بين (ضامنين) مجدين مجتهدين لمصالحهم فقط، فنسج الاتفاق تلو الاتفاق سواء إنْ كان في الاقتصادي أو السياسي أو العسكري أو التجاري وحبل طويل آتٍ على جرار الضامنين من حرثهم في تراب سوريا. النكتة هنا كوميدية تراجيدية الآن نفسه بخاصة حينما يشير واحد منهم بأن ما يجري في سوريا (الغربية) هو المؤقت وبأن في سوريا (الشرقية) انفصاليون، تحت هذا المؤقت تتوه الاتجاهات السورية؛ إذا ما تُرك الأمر للمؤقت؛ تضيع اتجاهات سوريا؛ تتغير من خلاله سوريا، ولا تعرف أي زمان تعرفت عليها بالإذن من مظفر النواب. لو لم يتم احتلال عفرين لما حدث كل هذا التقسيم، لو رفع ساحرٌ من السحرة الخمسة (أعضاء مجلس الأمن الدائمين) عصاه؛ لما حدث الاحتلال، مثل ذلك في كل مؤسسة دولية أو إقليمية تنتمي إليها سوريا، لو وقفت جهة من الجهات؛ بالأخص في جهة السلطة السورية ومن باب (السيادة) إلى جانب مقاومة شعب عفرين التي امتدت لـ 58 يوماً ولا تزال مستمرة رغم الاحتلال التركي ومرتزقته؛ لكان الوضع قد اختلف جذرياً. لكن؛ الشعوب الحيّة بكل عمرها لم تستكين إلى جانب الـ (لو)؛ إنما منتمية بالأساس إلى ناموس وحيد: في المقاومة حياة، هي حقيقة تفسير المكتسبات التي تحققت والتي تتحقق في روج آفا وشمال سوريا وفي كامل شرقي الفرات.
حقيقة الأمر؛ أردوغان في جدرانه يحبس نفسه على المدى المنظور وعلى أنفاس الشعوب في تركيا على المدى الاستراتيجي وتركيا اليوم كلها مسجونة، محاط شعوبها إما بالجدران أو بأعداء؛ اعتدى ويعتدي عليهم السلطان فحوّلهم إلى أعداء، كل الدول المشيدة ما بعد سايكس بيكو في عداوة تاريخية زكاها سلطان يرى كل من على وجه البسيطة في الشرق الأوسط وأغلب العالم بالعدو الذي يخلّ أو يهدد (الأمن القومي التركي). رغم ذلك وبناء عليه تماماً يبدو السؤال المهم هنا: من يسقط أولاً: أردوغان أم جدرانه؟ الإجابة الشافية هنا بأنه لن يمر وقت طويل حتى يقع واحد قبل الآخر، واحدة من أهم مشكلات الديكتاتوريين في الشرق الأوسط أن يظنوا بأن الواحد منهم لا يشبه الآخر؛ إنه الوحيد الذي يأمن.
يذكر التاريخ بأن التغيير الكبير الذي نالته السلالات الصينية كانت بعد تشييد سور الصين العظيم، كما يشدد التاريخ المعاصر بأن سقوط جدار برلين لم يصمد في وجه التغيير، فكيف حينما يكون بالتغيير الذي نحتاجه؟ كما يُذكر بأن السينمائي الكردي الراحل الذي تعرض للسجن لعدد من المرات في تركيا يلماظ غوني كانت آخر أفلامه (الجدار) يتعرض فيه لحياة الأطفال في السجون التركية. نال على فلمه جائزة كانت السينمائية، لا استغراب أن يحدث حينما ينال شعبه وشركائه التاريخيين اليوم رموز تناهض الإرهاب، لاحقاً كرموز تناهض من الاستبداديات وحينما يسقطون سوياً جدار الفاشية العثمانية في عفرين، الجدران تقع والشعوب تبقى؛ ذلك هو الثابت في الطبيعة وفي التاريخ.
No Result
View All Result