سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

ثقافة الشرق الأوسط وهيمنة الحداثة الرأسمالية ـ3ـ

عبد الله أوجلان – 
تأثرَ الواقعُ الكرديُّ بِحِدةٍ من هذه المستجداتِ التي سعَينا لتبيانِها على شكلِ مسودة. فبينما نَكَثَت الإمبراطوريةُ العثمانيةُ بالتحالفِ التقليديِّ الذي كانت أَبرمَته مع الكرد، وانجَرَّت وراءَ السيادةِ التامة؛ عملَ الروسُ على بسطِ نفوذِهم في الشمال، مستخدمين في ذلك الشريحةَ الأرمنيةَ العُليا. في حين استَثمَرَت إنكلترا السُّريانَفي الجنوب، في سعيٍ منها للتحكمِ بكردستان وبالعراقِ المُزمَع تأسيسه. وقد لعبَت مؤازرةُ البورجوازيةِ الأرمنيةِ والسريانيةِ المُتَرَسْمِلَةِ بشكلٍ مبكرٍ دوراً هاماً في ذلك. لقد كانت ثلاثُ قوى هامةٍ تُعيدُ اقتسامَ كردستان ثانيةً. لكنّ الديناميكياتِ الداخليةَ للكردِ لَم تَقفْ مكتوفةَ الأيدي إزاء كلِّ هذه المستجدات. فعندما رأت الشريحةُ العليا انفلاتَ زمامِ السيطرةِ التقليديةِ من يدِها، باشرَت بالتمردِ في هذا المكانِ أو ذاك. وتحولَت كردستان إلى ميدانِ انتفاضٍ وتمردٍ مؤهَّلٍ للانتشارِ على طولِ القرنِ التاسعِ عشر برمتِه. فسياقُ العصيانِ المبتدئِ عامَ 1806 في إقليمِ صورانبأقاصي الجنوبِ بزعامةِ قبيلةِ بابان، قد وَصَلَ ذروتَه مع عصيانِ بدرخان بيك عامَ 1842 في إقليمِ بوطان بالأراضي الوسطى.ومع هزيمةِ بدرخان بيك، كان عهدُ الإماراتِ الكلاسيكيةِ يأفلُ ويَخبو نجمُه.
أما مؤسسةُ المَشيَخةِ المُقامةُ مَكانَ الأمراءِ البيكوات، فظهرَت إلى الوسطِ كقوةٍ قياديةٍ اجتماعيةٍ جديدة. فالتمردُ الذي أعلَنَه الشيخ عُبَيدُ الله في 1878 على الإمبراطوريتَين العثمانيةِ والإيرانيةِ في آنٍ معاً، لَم يُقمَعْ إلا بَعدَ دعمِ إنكلترا لكِلتا الإمبراطوريتَين. كذلك، فالتمرداتُ الذي ابتدأَها الشيخ سعيد عامَ 1925، واستمرَّت في آغري عام 1930، لتُجَرَّبَ لآخرِ مرةٍ في ديرسم بزعامةِ سيد رضا عامَي 1937 و1938؛ قد انتهَت بالهزيمةِ والفشل. كما واتَّسمَت التمرداتُ الحاصلةُ في العشرينياتِ من القرنِ العشرين، والتي تَرَأَّسَها كلٌّ من محمود البرزنجي في جنوبِ كردستان وسمكو شكاكي في شرقي كردستان؛ بطابعٍ مشابه، وعجزَت عن الخلاصِ من الهزيمة. وقد لعبت إنكلترا مرةً أخرى دوراً مُعَيِّناً ومصيرياً في هذه الهزائمِ أيضاً.أما تجربةُ جمهوريةِ مهاباد في كردستانِ إيران عامَ 1946، وحركةُ الحكمِ الذاتيِّ المتصاعدةُ بزعامةِ مصطفى البارزاني فيما بين أعوامِ 1960 –1975؛ فطَوَت صفحةَ عهدِها الأولِ بالفشلِ الذريع، لِتُفتَحَ بعدَ ذلك صفحةُ عهدٍ جديدٍ حتى يومِنا الحاليّ.حيث أَطَلَّت الحركاتُ الوطنيةُ الديمقراطيةُ المؤلَّفةُ بالغالبِ من المتنورين وأبناءِ الشعبِ بتأثيرِها البارزِ في السياقِ الجديد، بَعدَ هزيمةِ حركاتِ التمردِ التي تَزَعَّمَها البيكواتُ والأغواتُ والشيوخُالكلاسيكيون.
سيَكونُ مفيداً الإمعانُ عن كثبٍ في خصائصِ الواقعِ الكرديِّ خلال القرنَين الأخيرَين ومزاياه المختلفةِ والمتشابهةِ عما كان عليه في المراحلِ التاريخيةِ التي تَسبقُهما. كان الكردُ الأوائلُ قوةً مُحَرِّكةً للتاريخِ الكونيِّ في العصرِ النيوليتيِّ البهيّ. وكانوا مهداً لولادةِ نظامِ المدنيةِ المركزيةِ في العصورِ الأولى، وأمّاًحاضنةً في تنشئتِه وتغذيتِه. كما كانوا أحدَ الأقوامِ القويةِ والطليعيةِ لنظامِ المدنيةِ المركزيةِ في العصورِ الوسطى، أي للإسلام. أما في العصرِ الحديث، أي في عصرِ هيمنةِ الحداثةِ الرأسمالية، يكادُ هذا الواقعُ الرائعُ والعظيمُ والجريئُ والكادحُ للشرقِ الأوسطِ يصبحُ وجهاً لوجهٍ أمام الزوالِ والنزولِ من مسرحِ التاريخ. وكأنه، لا بل إنه انهارَ كابوسٌ حقيقيٌّ على الواقعِ الكرديِّ بكلِّ وطأتِه. فتَعرَّضَ على التوالي لـ»النكباتِ الكبرى» كتعبيرٍ لَطالَما يُستَخدَمُ في الإشارةِ إلى الإباداتِ الجماعية. وعلى الرغمِ من حفاظِه على وجودِه، إلا إنه ليس وجوداً حراً، بل يمرُّ من الصراطِ المستقيمِ فوق جهنمّ السعير.

التعليقات مغلقة.