No Result
View All Result
أكاديمية عبد الله أوجلان للعلوم الاجتماعية –
الذهنية بالمعنى الاجتماعي هو طراز نظرة الثقافات للطبيعة والإنسان. الذهنية المتواصلة مع ثقافة ومفهوم العصر والرأي العالمي، هي المؤمنة والمحققة.
ظهرت كمحصّلة لمراحل تطور الفرد والمجتمع الإنساني
فالفلسفة، الميثولوجية، الإيديولوجية، الدين، العلم، الثقافة، الفنّ والفكر وما شابه ذلك هي الشكل الأكثر ذاتية من ضمن الأمور التي تمّ خلقها وإبداعها من قبل الذهن الإنساني. حتى ولو كان مقابل أو مرادف « الوعي» في العلوم الأدبية الحديثة هو أسلوب أو طراز الرأي في أوساط الفلسفة، إلا أنه تعبيرٌ ذو إطار أوسع وأكثر استخداماً من ذلك بكثير.
هذا وقد ترى الذهنية في هيئة طراز تفكير الإنسان أو المجتمعات المتعلقة بالإنسان، المجتمع والطبيعة، وشكل إدراكه وفهمه لها، والمواقف المتّخذة بحسب ذلك الإدراك. ارتباطاً بذلك؛ فإنّ الذهنية ليست نوعاً من أنواع المعلومة، بل هي طراز أو أسلوب معرفة. لذا؛ فهو يختلف (على الرغم من وجود المشابهة) عن الأيديولوجية والثقافة والدين والعرف الذين يمثلون شروط المجتمعية. أي بقدر ما تظهر الذهنية في بعض الأحيان على أنها مماثلة ومشابهة لهذه الشروط على أشكال متعددة، إلا أنّها تعبّر عن وضع أعلى ويشمل هذه الشروط.
تتشكل الذهنية الممثلة للوضع الشخصي والتي لها علاقة مباشرة مع الذهن والمعلومة، بالتغذّي من الروابط الاجتماعية، فالذهنيات الاجتماعية هي الأصل بالنسبة لتكوين المجتمعات وتشكّلها، أكثر مما هي الأشكال الذهنية الشخصية. يتمّ تشكيل وتبيان الذهنيات الشخصية من قبل الذهنيات الاجتماعية والبنيوية الممنهجة الموجودة، البنى الذهنية الموجودة خارج إطار المجتمع والنظام، هي ظاهرة تجد المعنى من خلال الثورة الذهنية المُشاهَدة في مراحل الإنشاء الاجتماعي على الأغلب. ومحال أن تصبح ذات معنى إن لم توصل ذاتها إلى شكل أو صيغة نظام اجتماعي.
الذهنية بالمعنى الاجتماعي هي طراز نظرة الثقافات للطبيعة والإنسان. الذهنية المتواصلة مع ثقافة ومفهوم العصر والرأي العالمي، هي المؤمنة والمحققة لأوجه التشابه أو الاختلاف فيما بين الأنظمة والمجتمع في الوقت نفسه. بالرغم من وجود الأواصر الجدية فيما بينها وبين الثقافة والأخلاق إلا أنها ليست متكافئة معهما بالمعنى الحقيقي. الذهنية هي المقياس والقاعدة والقانون الموجّه للحركة والمواقف، وهي مجموع الميول، الترجيح والأحكام الفضيلة المتكوّنة من محصّلة شروط المجتمع السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، الأخلاقية والدينية، هي ظاهرة اتّحاد ناتجة عن محصّلة متغيّرات متعدّدة.
لكلّ ذهنية مؤهّلاتها الأساسية وأساسياتها التي لا تتغيّر. ترى جميع الذهنيات أساسياتها التي لا تتغيّر، كعماد وأساس ذهنيتها ومحدّدها الأم، حيث تشكّل هذه الأساسيات التي لا تتغيّر مركز القيادة والتحكم بالنسبة للذهنيات. فإنّ تغيّرت إحدى العناصر المكوّنة للأساسيات التي لا تتغيّر لذهنية ما، يعني هدم أو تغيير تلك الذهنية. كلّ ذهنية إلى جانب هذه الأساسيات التي لا تتغيّر تكون ضمن جهد وبحث لأجل إدامة وديمومة مجتمعيتها. لهذا السبب؛ يمكننا الإشادة أيضاً بوجود المرونة في البنى الذهنية إلى حدّ ما. إلا أنها تعني المرونة ليست في المواضيع الأساسية؛ بقدر ما يحدث التغيير في ذهنية ما بمرور الزمن، فإنّ الأساسيات التي لا تتغيّر والتي يتمّ نقلها من بعضها إلى بعض ضمن المؤسسات التي تتغيّر وتشكّل جوهر تلك الذهنية.
تتناول الفئات القائمة بالبحث والدراسة في هذه الساحة في يومنا الراهن البنى الذهنية بشكل مجزّأ ومنقطع عن بعضها البعض. بالأخصّ يكاد يُدَّعى في مسألة التسميات بأنه لكلّ مجتمع، جغرافيا، دين، فلسفة وما شابه ذلك بنى ذهنية خاصة عائدة إليها، إلا أنّ الإنسانية عرفت ضمن سير التطوّر الموجود لتاريخ الإنسانية بنيتان أساسيتان للذهنية:
أولها: ذهنية المجتمع الكومينالي الديمقراطي.
ثانيها: ذهنية المجتمع الهرمي، الطبقي والدولتي.
أما البنى الذهنية والتسميات الأخرى كافة؛ فهي أشكال تعبّر عن ذاتها ضمن هاتين البنيتين الذهنيتين. فإنّ التقسيمات أو الاختلافات القائمة في البنية الذهنية مثل الشرق – الغرب، الدين – العلم، الميثولوجيا – الفلسفة بشكل منفصل أو مستقلّ عن البنيتين الأساسيتين يفتح الطريق أمام عدم الفهم والإدراك الصحيح للبنى الاجتماعية. إنّ القيام بتطوير التجزئة والانقسام الذي خلقه العلم الوضعي ضمن المجتمع في راهننا بين البنى الذهنية، أيضاً يصبح سبباً في ضياع الحقيقة وبعد الإنسانية عن حقيقتها؛ وبالتالي تؤمّن استمرارية الاستبداد والاستعمار المفروض على المجتمع. وهذا التقرّب ذاته ما هو إلا في الحقيقة عنصر من عناصر ذهنية المجتمع الدولتي.
البنية الذهنية الأولى التي تعرّفت عليها الإنسانية هي تقرّب الإنسان الآنميزمي (الأرواحي) الذي يرى كلّ شيء من حوله حيوياً يفكر مثله تماماً، وبالتالي يقوم ببناء العلاقات فيما بينه ومحيطه بحسب ذلك. بالنسبة للمدّة الزمنية، فإنّ هذه المرحلة الذهنية هي أطول مرحلة ذهنية للإنسانية، حيث فتحت الطريق أمام بنية اجتماعية أنشئت هويات اجتماعية كالطوطم والفتيشية.
أما البنية الفكرية الحاكمة في البنية الذهنية للمرحلة النيوليتية التي حققت الثورة الزراعية والقروية، هي فكرة الإنسان – الإله القائمة استناداً إلى العنصر الأنثوي على تأليه كلّ الموجودات الهامة بحسب درجة أهميتها. فقد تطوّرت بنية الفكر والإيمان المستند إلى الإلهة الأم من كافة الجوانب، وتمّ إجلال وتخليد الإلهة الأم لأول مرّة برفعها وإعلائها إلى السماء. تشهد الإنسانية تحوّلاً ذهنياً جذرياً في مرحلة الثورات المدنية، وتندرج نحو شكل اجتماعي مناسب لهذا التحوّل.
لقد بدأ التدرّج والانحياز نحو مجتمعٍ أبوي مع زيادة تأثير الذكاء التحليلي على الذهنية في أواخر المرحلة النيوليتية، وهو ما خلق بحدّ ذاته فرقاً كبيراً. إذ تتولّد الحاجة لبنية ذهنية أكثر دوغمائية لإدارة البنى الاجتماعية المجتمعة والمتشابكة أكثر في المدن مقايسة للبنية الذهنية السابقة لها. ومن جانب آخر؛ فإنّ الإنتاج الزائد مع التكنيك والتقنيات الإنتاجية الجديدة المتطورة، والتقرّب القائم على أساس الامتلاك الشخصي والفردي لفائض الإنتاج هذا، تطلّب وجود بنى ذهنية جديدة من أجل شرعنة (إضفاء المشروعية) الاستبداد ضمن المجتمعات التي لم تكن تعرف الاضطهاد من ذي قبل. وهذا بدوره حقق ظهور مفاهيم دينٍ وإلهٍ جديد استناداً إلى الميثولوجيا.
No Result
View All Result