سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

عفرين محتلة

إلهام أحمد –
جرائم فظيعة ترتكبها الفصائل المرتزقة في عفرين بحق الأهالي الذين أبوا الخروج من عفرين وترك منازلهم، حيث تختطف عوائل بشكل يومي من قبل المسلحين ويقتادون إلى أماكن مجهولة. يأتي خطف الأهالي ليس لأمر إلا لطلب الفدية وتخويف الأهالي وإجبارهم على ترك منازلهم، فعدد كبير من الأهالي حالياً تحت الإقامة الجبرية، وموجودون في منازلهم. لكن؛ ممنوع عليهم الخروج إلى حقولهم وأراضيهم، أو تأمين لقمة العيش. البعض يلتجئ لمقرات الجيش التركي يشتكون من جرائم الفصائل المرتزقة ظناً منهم أنَّ الجيش التركي يختلف عن تلك الفصائل، ويظهروا للعالم بأنهم يختلفون عنهم، علماً أنَّ الجيش التركي بنفسه أشرف على تدريب تلك الفصائل، وهي تحمل أهداف حكومة أردوغان نفسها، وهم من يحرضون الفصائل ضد أهالي عفرين بتلك الأساليب، حتى الاستخبارات التركية هي التي تقوم باستجواب المعتقلين وتعذيبهم. ونسمع اليوم بأن تركيا تقوم بتجنيد الشباب الكرد المهجرين قسراً إلى تركيا، أو يتم جمعهم من عفرين بالقوة واقتيادهم إلى صفوف التجنيد الإسلاموي الراديكالي.
تركيا تعمل على مشاريع طويلة الأمد في سورية، تحاول من خلالها القضاء على الوجود الكردي، فهي من خلال ممارسة سياسة التطهير العرقي ضد الشعب الكردي في تركيا، معتقدة بأنها نجحت في سياستها تلك بعد الجرائم التي ارتكبتها في المدن الكردية. انتقلت هذه المرة إلى عفرين واستخدمت الأسلوب نفسه في احتلال عفرين، من خلال تفوقها العسكري التكنولوجي في المعركة اعتبرت ذلك نصراً عظيماً لها تحاول من خلاله كسب الأصوات في الانتخابات. لكن ما تقوم به ليس لكسب الأصوات فقط، انما هدفها الأساسي هو ضرب المكتسبات واحتلال مناطق من الأراضي السورية والعراقية. وهي تسعى لتغيير معتقد الشعب الكردي وثقافته المسالمة. الكردي المسلم ليس له علاقة بالتشدد، انما علاقته مع الرب مباشرة ولا يوجد وسيط بينهما، لذلك يبقى ايمانه قوي مهما حدث. اردوغان يسعى لتغيير هذه الثقافة ويجعل من نفسه الخليفة الوحيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه الأرض. لذلك؛ يهاجم المسلمين والمسيحيين والزردشتيين ويحرضهم على القتال وقتل بعضهم بعضاً.
عفرين اليوم أكبر شاهد على هذه السياسات القذرة، الاستيلاء على ممتلكات المواطنين، توطين عوائل غريبة في منازل العفرينيين؛ بهدف احداث التغيير الديمغرافي كسياسة متعمدة كما حدث في السابق، كل هذا لا تزال منظمات حقوق الانسان والمنظمات الدولية ترفع التقارير، وهي لا تشتكي أيضاً، انما ترفع التقارير للأرشيف، ولا يوجد موقف واضح حيال ما يحدث على يد المرتزقة والجنود الأتراك. يا ترى هل سينتظرون ليحدث ما حدث في حلبجة؟ ارتكبت مجزرة حلبجة لكن تم تصنيفها ضمن جرائم حرب عندما انتهى دور صدام حسين. هل تحفظ هذه التقارير لعدة أعوام مقبلة حتى ينتهي دور أردوغان ثم يعترفون أنه ارتكب الجرائم بحق الشعب الكردي سواء في عفرين أو مدن الكردية في تركيا؟
كسب الرضى التركي من قبل روسيا وامريكا من خلال صفقات تجارية وسياسية، مواقف بعيدة عن كل المقاييس السياسية التي على الأقل يدعون بأنهم موجودون في سوريا في سبيلها. ملف عفرين ملف معقد، يعتقد البعض بأنها احتلت نتيجة صفقات سياسية، وسترجع أيضا باتفاقات سياسية. لكن؛ ما يبدو واضحا ان عفرين ستسترد على يد أهلها سواء أكان سياسياً أم عسكرياً، ما هو مهم فهمه أن الاعتماد على القوة الذاتية سواء في السياسة أم العسكرة، تعتبر مبدأ أساسيا في الحفاظ على المسار الصحيح للتوجه نحو حل سوري سوري.
سياسيا ممكن التفكير بكل الوسائل والطرق التي يمكنها استرجاع عفرين لأهلها، وعسكريا يمكن الاستمرار بشتى أنواع العمليات لتطهيرها من الاحتلال. نعلم أن أهالينا في عفرين يتحملون أشد العذابات في سبيل الحفاظ على أصالة وتاريخ ومجد منطقتهم، وهذا حق طبيعي، مواجهة الاحتلال بشكل منظم يأتي بنتائج محتمة، عدم الانخراط في المشروع التركي الخطير موضوع في غاية الاهمية. الحفاظ على التراث والثقافة والانتفاض في مواجهة الاحتلال أيضا أمر في غاية الأهمية، نقل الرسائل للرأي العام بأساليب مختلفة مسؤولية تاريخية تقع على عاتق كل وطني مع العلم بصواب ذلك، لكن إيصال الحقائق للجهات المعنية أمر ضروري جداً.
شاهدنا من خلال العديد من الفيديوهات والرسائل التي نشرت على شبكات التواصل الاجتماعي، كيف أنَّ العفرينيين يتحسرون ليكحلوا عيونهم برؤية مدينتهم وقريتهم ومنزلهم وشجرتهم مرة أخرى، في هذا العيد لم يزر العفرينيون مزار الشهداء، لذلك اعتذروا منهم بعين دامعة وحسرة تعصر القلب، اعتذروا من موتاهم، من زهرهم ومن شجرهم، ومن كل شيء تركوه وراءهم، وينتظرون العودة القريبة، يحبسون أنفسهم بين أربعة جدران يعدون الأيام بالساعات والدقائق والثواني كي تفتح تلك الأبواب ويرجعون لبيوتهم ولو أنَّها مدمرة وتحولت لركام. نعم يقولونها: «لنستلم بيوتنا وهي ركام سنفرش الخيم ونسكنها إلى أن نبني بيوتنا ثانية لكن لن نتعود على حياة الغربة، لن نبحث عن طريق للهجرة خارج سورية، لن نترك هواء مدينتنا».
إذاً متى ستفتح تلك الأبواب كي يرجع الأهالي لبيوتهم، هذا السؤال موجه لنا ولكل سياسي وعسكري أولا، ومن ثم لكل الدول التي تدعي الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، الدول المتدخلة بالشأن السوري تحت مسمى محاربة الإرهاب والفصائل المتشددة، الموجودة في سبيل الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وسيادتها، أين أنتم من هذه النداءات؟ المقاتل الذي دافع بكل ما يملك من قوة واضطر لتغيير أسلوب المعركة في اخر لحظة ولو كان ثمنها غاليا، السياسي الذي انجر لمخادعات لعبة الدول الكبرى، أن يعتذر ويبدأ من جديد كي لا يخسر ما تبقى ويسترجع ما خسره، هي نداءات من الضمير للضمير، بالطبع ستلقى إجابات واضحة وحاسمة وستكون ساعة الصفر حينها.

التعليقات مغلقة.