تحقيق/ رامان آزاد –
عامٌ على جريمة العدوان وإعلان الاحتلال، ولن تتحول عفرين إلى ذكرى سنويّة في قائمة المناسبات يُحتفى بها كلّ عام؛ لأنّ تحريرها وعودة أهلها إليها أولوية هذه المرحلة، وستبقى عنواناً للمقاومة، رغم النتيجة القاسية وغلبة السلاح.
المقاومة تعني قصة تمسّك الإنسان بوطنه وإرادة الصمود، وعندما نعلم حجم القوة ونوع السلاح ومدى الحقدِ الأردوغانيّ وانحراف المرتزقة عن الفطرةِ السليمةِ ودرجة توحّشهم، ولم يتم الاحتلال إلا بعد نحو شهرين، عندئذٍ نعلم أيّ مقاومة أبدتها عفرين وأنّها كانت بحقٍّ مقاومة العصر. فقد توحّد مجتمع عفرين وأضحى عائلة واحدة وهو يشيّع كلَّ يوم أبناءه شهداءَ فداءً للأرضِ والكرامة، وإذا كانت الهامُ تنحني للشهداء، فلعوائلهم من بعدهم، ولم يخرج الأهالي من بيوتهم إلا بعد أن تسوّر العدو قلعتهم ووقف على بوابة مدينتهم، وتجاوز كلَّ القرى والبلداتِ في طريقه.
حنينٌ للعثمانيّة وتلاعبٌ بالدين
أكّدت حكومة أنقرة عبر العدوان على عفرين، على نزعتها القومويّة الفاشية، وليكون ذلك التصعيد الأكبر ضمن سياسةِ تدخّلها بالشأن السوريّ، وتنفيذ مشروع التحوّل التركيّ (العمق الاستراتيجيّ) الذي يجمع بين ميراث العثمانيّة الذي تفاخر بأمجاده وتسعى لإحيائه والتقاليد الأتاتوركيّة، وقال أردوغان خلال كلمته في الاجتماع السادس لحزب العدالة والتنمية بمدينة أفيون كارا حصار في 17/2/2018: “إنّه رغم تراجع مساحة الأراضي التي كانوا يسيطرون عليها من 18 مليون كم2 إلى 780 ألف كم2 خلال العهد العثمانيّ؛ فإنّهم يحمدون المولى عز وجل على هذا ويصبرون”. وأعربَّ أردوغان صراحةً عن الحنين إلى الحقبةِ العثمانيّة والرغبة باحتلالها؛ بقوله: “أولئك الذين يعتقدون أنّنا محونا من قلوبنا هذه الأرض، التي تركناها وسط الدموع قبل قرن مخطئون”.
وفي محاكاة للسلوك العثمانيّ الذي استخدم الدين خدمةً للدولة والسياسة، سخّرت تركيا كلّ إمكانياتها العسكريّة والدعاية الإعلاميّة ووضعتها في خدمة المجهود الحربيّ، وانضمت وزارة الشؤون الدينيّة للحرب فعكف 90 ألف مسجدٍ على قراءة سورة الفتح والدعاء لجيش العدوان، وفي محاولة لإسباغ التوصيف الدينيّ وتبرير العدوان قال أردوغان خلال مشاركته بحفل افتتاح نفق قاسم باشا بإسطنبول 27/1/2018 مشيراً إلى وحدات حماية الشعب قائلًا: “إنّه تنظيمٌ إرهابيّ لا دينَ له ولا ثقافةَ، ولا يعرف الله”. وفي كلمة له بمدينة شروم وسط تركيا 28/1/2018 زعم زوراً أنّهم شديدو الحساسيّةٍ لعدم الإضرار بالمدنيين. ويعملون بالحديث الشريف: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”. والمفارقة أنّ العدوانَ واقعاً استهدف القرى الآمنة والمؤسساتِ الخدميّةِ والمرافقَ العامةَ وحتى دور العبادة والمقابر، ولم يسلم منه البشر والشجر والحجر.
تحضيرٌ للعدوانِ بانتظار التوافق الدوليّ
أهميّة عفرين تتجاوز مساحتها وتتميّز بخصوصيّتها الكرديّة، وتتعلق المسألة بالمشروعِ الديمقراطيّ الذي يُعمل عليه شمال سوريا والذي ترفضه أنقرة، فكان هاجُسها قطعَ تواصلها مع كوباني، فبادرت لاحتلالِ جرابلس والباب. ودخل الجيش التركيّ جرابلس خلال ساعاتٍ دون معارك في 24/8/2016، تأكيداً لعلاقة أنقرة الوثيقة مع مرتزقة داعش، وإزاء صمت العالم تردّد بالأوساط السياسيّة وقتها أنّ أيّ توافق دوليّ لن يتجاهل مصالح تركيا وسيكونُ على حساب الكرد.
عملت أنقرة حثيثاً على حشدِ مواقفَ دوليّةٍ لصالحِ عدوانها، عبر سياسة الابتزاز والتهديد المبطّنِ لدولِ أوروبا بفتحِ أقنيةِ الهجرة، وأنّ عليها الصمتُ حيالَ خطتها بإرجاعِ اللاجئين على أرضها، وبالغت بأعدادهم وادّعت أنّهم سكانُ المنطقةِ الأصلاءِ في إشارة لخطةِ التغيير الديمغرافيّ، وانعطفت عبر منصةِ أستانة لكسبِ موقفي طهران وموسكو، وبادرت لاستيعابِ الفصائل الإرهابيّة بإدلب تحت طائلة التهديد برفع الغطاء عنها لتستهدفها روسيا.
كانت كلُّ خطواتِ أنقرة تُنبئ عن خطوةٍ عسكريّة قادمة ضد الكُرد بعفرين، إلا أن تكونَ مسألةَ وقت، والخطوةُ العمليّة تمثلت بتشكيل حكومة شكليّة باسم “الحكومة السورية المؤقتة” تستمدّ منها شرعيّة التدخّل العسكريّ، بالتوازي مع تجميع فصائل مختلفة بريف حلب وإعادة تدوير بقايا مرتزقة داعش وتشكيلِ ما سُمّي “جيش سوريا الوطنيّ” نهاية عام 2017، إلا أنّ المجاميع التي جنّدتها تركيا دخلتِ المعركة بأسمائها وليس تحت راية الجيش الافتراضيّ، فكانت بممارساتها واختلافاتها عصاباتٍ مسلحةً ارتكبت جرائم القتلِ والسرقةِ والخطفِ.







