No Result
View All Result
د. محمود عباس –
لتبيان صفحة من صفحات كوارث النهب الجارية في سوريا والتي تحتاج إلى دراسات وإحصائيات مطولة، وأبحاث على مستوى الدول، لا بد وبعجالة المرور على كمية الأموال التي جمعت باسم شعبها وبالأرقام، ومنها التي تمت عن طريق المنظمة التابعة لهيئة الأمم المتحدة، في عدد من المؤتمرات، وآخرها مؤتمر بروكسل الثاني، المنعقد بتاريخ 14/3/2019م وبحضور83 دولة ومنظمة عالمية، والبالغة قرابة 6 مليار دولار، دون أن يتطرقوا لمأساة المجتمع المجتمعون من أجله، أو عرض حلول عملية لإنهاء الحرب التي تكاد أن تقضي عليه. بالأساليب التي عقدوا فيها المؤتمرات، وتغطيتها بالشعارات الفضفاضة، رسخوا منطق البؤساء على السوريين في المهجر أو في المخيمات. كما وأن معظم الدول المجتمعة، وبخاصة أمريكا وروسيا والدول الأوروبية، تتغاضى عن عمليات النهب الممنهج من قبل المنظمات والدول المدعية حماية الشعب والذين لسياساتهم ظل بشار الأسد على رأس النظام، وعبثت بالوطن كل مرتزقة العالم، وعلى رأسهم القوى التكفيرية. وفي جميعها بقي السوري غائباً عن المشهد، فالكل تحدث ويتحدثون باسمه، وينهبونه، أو يهجرونه، أو يقتلونه، وبالتالي شرّعوا الفساد بقوانين دولية.
أموال مهدورة باسم الشعب السوري
لا شك، لا نتحدث عن حجم الأموال المهدورة لشراء الأسلحة، ورواتب المرتزقة من الجانبين السلطة السورية والمنظمات التكفيرية المعارضة، ومن المحزن أن نسبة كبيرة من هذه الأموال دفعت لتركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر، في الوقت الذي ظل فيه مجتمع المخيمات يعانون كل أنواع البؤس والحرمان، ويقال: وعلى لسان ساكنيها، أنها تشبه معسكرات الاعتقال، وكثيرا ما استخدمت تركيا مخيمات المهاجرين لتجنيد الشباب، وضخ داعش وهيئة تحرير الشام، ومنظمة نور الدين الزنكي وغيرهم بعناصر دائمة، معظمها تمت تحت التهديد والترهيب، ومقابلها كانت السلطة تُدعم إيرانياً بمليشيات شيعية لا تقل تكفيراً عن المنظمات المعارضة. ومثل هذه السيولة دفعت لسلطة بشار الأسد، تحت حجة مساعدة السوريين المتأذين من الحرب في الداخل، والحفاظ على الميزانية السنوية، والمتقلصة من قرابة 21 مليار دولار عام 2010م، إلى 5 مليار لعام 2018م، علماً أن فساد السلطة يتجاوز مجرد نهب المساعدات، فهي ضليعة ومنذ عقود في تدمير الدخل الوطني العام ونهبه، ومنها أن إجمالي الدخل وحسب الإحصائيات الرسمية السورية كان قرابة 18 مليار دولار عام 2010م، علماً أن الإحصائيات العالمية ومنها التابعة لهيئة الأمم، ومن منظمات مختصة، يذكر أن دخلها القومي وليس الوطني كانت تتجاوز هذا الرقم، ولكن وعلى خلفية الشعار المفروض من قِبل حافظ الأسد (النفط في أيدي أمينة فلا تسأل عنه) تم نهبه وبشكل مُمنهج، وتبيّن عندما قصف الأسد الأب ميناء أخيه رفعت الأسد بجانب ميناء طرطوس، مع أربع ناقلات نفط كانت تنقل النفط الخام وعلى مدى عقدين إلى الأسواق العالمية، وهذه الأموال المجمعة من الأسواق السوداء، لم تكن تُدرج ضمن ميزانية الدولة، وبالتالي كان الدخل القومي يحدد بقرابة 18 مليار دولار، وليس 25 مليار وربما أكثر.
معظم المساعدات المقدمة لسلطة بشار الأسد، هي من روسيا وإيران، فالأولى تنازلت عن جميع ديونها السابقة، بل وإضافة على ذلك قدمت سيولة نقدية على مدى السنوات الأربع الماضية، رغم سرّيتها، يُقال إنها تجاوزت 5 مليار دولار، وهنا لا يدرج ضمنها ثمن الأسلحة وما يتعلق بالحرب، كصفقة صواريخ إس 300 على سبيل المثال، وغيرها. كما ومنذ بداية عام 2012م قدمت إيران للسلطة مساعدات نقدية مستمرة، لئلا تنهار اقتصادياً ولتحافظ عملتها على سويتها، وبدأتها من نفس العام بمليار دولار، كقرض دولي، نشرته لاحقاً الوزارة المالية الإيرانية، وفي عام 2013م قدمت قرضاً أخر بقيمة 3,6 مليار دولار، وتصاعدت الأرقام، ومنها ما كان ينهب من النفط العراقي، وفي السنة الماضية قدمت إيران تقريرا مالياً، على أن سوريا مديونة لها بـ 20 مليار دولار، ومعظمها كانت على سعر السوق عندما كان الدولار يعادل 50 ليرة سورية.
بيع القيم والمبادئ بحفنة من المال
الانتهازيون بإمكانهم أن يبيعوا الوطن والقيم والأخلاق في أسواق النخاسة دون أن يرف لهم جفن، والمنافقون يفسرونها حنكة، ومن المؤلم أنه وعلى مدى سنوات الحرب في سوريا، لم تبقَ على الساحة العملية إلا هاتين الشريحتين، عجت بهم قاعات المؤتمرات المنعقدة من أجل القضية السورية، ويا لكثرتها وانحطاطها، حيث برزوا وبمساعدة بعض القوى الإقليمية، وبعد السنة الأولى من الحرب في الإعلام العربي، وإعلام الدول العابثة بمصير سوريا، كتركيا وإيران، الدول التي فعلت المستحيل لتقديم مجموعات من الشريحتين اللتين من السهل شراء موالاتهم، وعن طريقهما مرروا أجنداتهم على حساب الشعوب السورية، يستسيغون وبكل أريحية أن تكون سوريا لقمة سائغة، وتبينت هذه وبشكل واضح في معظم المناسبات والمؤتمرات، وجلهم يمهدون للدول المحتضنة لهم على احتلال الوطن دون رادع أخلاقي، بل ويخلقون التبريرات لطروحاتهم (لا عجب فهم أحفاد أبو رغال) مع الادعاء بالحفاظ على وحدة سوريا، والقضاء على الإرهاب، والتهجم على الكرد كلما انتشرت رائحة فسادهم.
الطفرة اللاأخلاقية بحق الشعوب السورية والوطن، تجلت بشكل سافر في بيان الإخوان المسلمين قبل شهرين، وفي خطاب رئيس الائتلاف بمناسبة ثورة الشعب السوري، ودعاية الإعلام الداعشي، كأورينت المحسوبة على المعارضة جدلاً، والتي هي من المعارضة التكفيرية، خلافة الإرهاب، والجزيرة وبعض القنوات التركية، وإصدار القوات التكفيرية المحتلة لعفرين، وبسند من حركة القوميين الترك، بيان منع الاحتفال بعيد النوروز، ونحن لن نعود إلى فتح الصفحات الماضية، ومنها خلقهم شرخاً بين الكُرد والعرب. وبالمقابل الدونية التي وضع بشار الأسد الوطن فيها، يوم تم دعوته للمثول بين يدي أئمة ولاية الفقيه في طهران، وتصريحات مسؤولي إدارته بتهميش القضية الكردية وإعادتهم إلى السلطة الدكتاتورية المركزية، إلى جانب غيرها من المواقف في الجانبين، وقد برع فيها الطرفان المتنافسان، على من سيسرع في بيع سوريا لتركيا أم لإيران، وكل ذلك بدعم أو صمت روسي أمريكي. ولا شك هللت شريحة تجار الحروب لهذا الوضع، وتغلغلت في ثناياها شبكات المافيا الدولية، والمختفية بعضها تحت اسم شركات السماسرة المختصة بعمليات النهب والبيع، ونحن هنا لا نتحدث عن الجريمة المنظمة والتي سخرت الطرفين في بيع ثروات الأمة ومخزونها النفطي بكل رُخص في الأسواق السوداء، وكذلك تدميرهم الآثار السورية وبيعها في جميع بقاع العالم.
استطاعت الدول المحيطة بسوريا، وبسند عالمي، اختزال الوطنيون والمخلصون لقضية المجتمع السوري، وأحلت محلهم قوى فاسدة. منظمات وسلطات أرهبها نهوض الشعوب السورية، وارتعبت من فكرة انتقال الشرارة إلى جغرافيتها، فكان لا بد من توسيع مساحة التدمير وتطويله قدر الإمكان، ولبلوغ الغاية كان لا بد من أن تقود المسيرة هاتين الشريحتين من السوريين، المعارضة والسلطة، وتم اختيار أشخاصها وبدقة قبيل المؤتمرات التي جرت في تركيا والسعودية ومصر وآستانا وجنيف، وجلها للحفاظ على السلطة الحالية، وفي الواجهة دُمية سمي ببشار الأسد. القوى التي لم تكتفِ بسرقة مليارات الدولارات من أموال المخيمات، والمهاجرين، القادمة كمساعدات دولية، انحرفت نحو الداخل، وتم توجيهها لتدمير المناطق التي لم تصلها يد العبث، كعفرين، وأطلقت يدها فيها لتنهب وتسرق وتدمر كل ما تتمكن منه، والأغرب أن هذا الإجرام المنظم يُغطى من قِبل القوى المعارضة كالائتلاف، والحكومة الانتقالية، وبها تعتم على ما نهبته حتى اليوم، أو لنقل ما قدمته لهم تركيا وقطر كخدمات على عبثهم، ومحاربتهم للكرد، فكما نلاحظ، أن معظم المعارضة اليوم تخلت تقريباً عن محاربة النظام وتحولت إلى محاربة الكرد.
التغاضي عن جرائم الدول الإقليمية لتحقيق المصالح

والأغرب من كل هذا هو سكوت الدول الكبرى، أمريكا وروسيا والدول الأوروبية عن الجريمة المنظمة بحق الشعوب السورية، والتي كانت بإمكانها إيقاف الحرب في السنوات الأولى، تحت شعارات ظهرت مؤخراً، كالتي ذكرتها السيناتورة الأمريكية (تولسي غابارد) التي زارت بشار الأسد ودافعت عنه، والمندرجة ضمن استراتيجية الدفاع الروسي، وقالت إنه ليس بعدو لأمريكا، وما نهدره من الأموال والجهد لتغيير الطغاة خسارة لاستراتيجيتنا الخارجية، وهي الآن مرشحة لرئاسة أمريكا لعام 2020م. هذه هي الذهنية أو لنقل السياسة التي ظلت تضخ الأموال للمعارضة والسلطة معاً، من قبل الدول الكبرى والتي تقود الدول الإقليمية، وتتغاضى عن جرائمها لمصالحها، أو الأموال المدفوعة من قبل المنظمات الإنسانية، أو المقدمة من طريق هيئة الأمم المتحدة بعد المؤتمرات العديدة، مع غياب المراقبة والمحاسبة الدقيقة، رغم علمهم أن أغلبية الأموال لم تصل إلى أهدافها، نهبتها الشريحتين والدول المساندة لهم، وتجار الحروب في السلطة والمعارضة، وبأساليب منظمة، وبلا مبالاة روسية أمريكية.
ومن المؤلم، ورغم ضخامة حجم المساعدات، ظلت مستمرة معاناة المهاجرين ومجتمع المخيمات، وهي لا تزال تعاني المآسي، من العوز إلى أبسط متطلبات الحياة، إلى الجريمة الممنهجة، إلى بيع الأعضاء البشرية، ومثال المخيمات المتواجدة في تركيا، والتي كثيراً ما يتحايلون على الإعلام بفتح مدرسة، أو مستوصف، أو خدمات غذائية، لتعمية بصيرة الإعلام العربي وبمشاركة الشريحة المعارضة الانتهازية والمنافقة، كما وحياة المقيمين في مخيمات لبنان والأردن بلغت مآسيها لدرجة إنه لم يتمكن كل إعلام المعارضة التغطية عليها، ونحن هنا لا نتحدث عن تهريب القاصرات وبيعهن، ففي المخيمات اللبنانية والتركية والأردنية وفي مصر سُجلت حالات الإتجار بالبشر، وبيع النساء وغيرها، كما وأن تركيا فتحت كل طرقها للمافيا العالمية لتهريب الناس، والإتجار بالأعضاء البشرية، ومأسي سواحل بحر إيجة التركية، وصورة الطفل الكردي آلان الكردي، والسوريين الذين غرقوا على السواحل اليونانية والضياع ضمن غابات بلغاريا، وغيرها من الشواهد المرعبة، والتي كان ورائها مافيات حزب العدالة والتنمية خير شاهد على ما نحن بصدده وأن تلك الأموال كانت تنهب من قبل المنظمات الدولية وعلى رأسها التركية مع تطعيم للمعارضة لإسكات الصوت. وقضية الشباب الكرد الذين حصرتهم المافيا التركية الدولية وقتلتهم اختناقاً في إحدى الشاحنات، وتاجرت بأعضائهم مسبقاً، والتي عُرفت بشاحنة الموت، والتي راح فيها 70 شهيداً، الجريمة التي ظلت لغزاً، ولم يُبحث فيها كما يحدث عادة في مثل هذه الجرائم، هل قُتِلوا أم كما يُدّعى أنهم اختنقوا، ومن كان ورائها؟ وقد كان من بين الشهداء، حسين ورامان، ولدا الفنان التشكيلي والكاتب الكردي خليل مصطفى.
وفي الواقع كل هذه الجرائم كانت تجري أولاً للضغط على الدول الأوروبية، بتقديم المزيد من السيولة لتركيا، والثاني، للتغطية على عمليات النهب الممنهج، وهي لا تختلف ما كانت تفعله السلطة والمليشيات الإيرانية وروسيا، فصفقة تقديم مدينة تدمر بآثارها مرتين لداعش ولمدة شهرين وبيع الآثار من خلال مافيات السلطة وحزب الله خير شاهد على ذلك. ولا شك معظم الدول العربية الأخرى وخاصة دول الخليج تهربت من احتضان المهاجرين، وعملت دعاية إعلامية على أنها تحوي الآلاف من السوريين، علماً أن معظمهم كانوا من العمالة المهاجرة قبل الحرب. وسوريا ستظل محكومة من قِبل المنافقين، ما دامت الدول الكبرى غير مقتنعة بإنهاء الحرب، والتي بعضها لن ينتهي بدون معارك دامية مع المنظمات التكفيرية المحتلة لمنطقة عفرين بمساعدة تركيا، والمنظمات المسيطرة على إدلب كهيئة تحرير الشام والمسماة تركيّاً الجبهة الوطنية للتحرير، والوصول إلى حل سياسي مع الكرد، في شرق الفرات ومعها عفرين، ونقل سوريا إلى نظام فيدرالي لا مركزي.
No Result
View All Result