في مراحل التحولات الكبرى التي تمر بها الدول الخارجة من الحروب والأزمات، لا يكمن الخطر فقط في انتشار السلاح أو استمرار خطوط التوتر، بل أيضاً في محاولات إعادة تشكيل وعي المجتمع على أساس الخوف والانقسام. فعندما تتحول الهوية القومية أو العشائرية أو الطائفية إلى أداة للتعبئة السياسية والأمنية، يصبح المجتمع نفسه ساحة للصراع، وتتحول شعوب الوطن الواحد من شركاء إلى أطراف متنافسة.
إن أخطر ما تواجهه الدول المنهكة هو انتقال الخلاف من المجال السياسي إلى النسيج الاجتماعي، لأن القضايا السياسية يمكن معالجتها بالحوار والتفاهم، بينما تترك الصراعات القائمة على الهويات آثاراً عميقة قد تمتد لأجيال. وتزداد خطورة ذلك في بلد مثل سوريا، الذي يتميز بتنوع قومي وثقافي واجتماعي واسع.
ما يجري في محافظة الحسكة وروج آفا، مع ظهور ما يُعرف بـ “خيمات الحرب” أو غيرها من المسميات ذات الطابع التعبوي، يثير تساؤلات سياسية وأمنية عديدة. فالقضية لا ترتبط بوجود هذه التجمعات بحد ذاتها، بل بطبيعة الخطاب المصاحب لها، ومدى إمكانية تحولها إلى أدوات تعبئة تدفع نحو المواجهة بين العرب والكرد، وهما شعبان أساسيان من الشعوب السورية الأصيلة؛ عاشا لعقود في الجغرافيا نفسها وتقاسما المصالح والتحديات والمعاناة.
المخاطر الداخليةتهدد النسيج الاجتماعي السوري
من منظورٍ وطني، فإن أي محاولة للتحريض ضد الكرد، أو دفع الكرد إلى الاصطفاف ضد العرب، لا تخدم مشروع سوريا الجديدة، بل تعمّق الانقسام وتضعف مفهوم المواطنة، فعندما يصبح الانتماء القومي أو العشائري وسيلة للحشد والصراع، تتراجع مكانة الدولة الجامعة لصالح منطق الاصطفافات والهويات المتنافسة.
كما إن اختزال العشائر العربية في موقفٍ سياسي واحد يمثل قراءة غير دقيقة للواقع، تماماً كما أن اختزال المجتمع الكردي في اتجاهٍ سياسي واحد لا يعكس تنوعه. فالشعوب السوريّة كافة تضم تيارات واتجاهات متعددة، وقد تحملت غالبية أبنائها أعباء الحرب وتداعياتها، لذلك فإن الزج بها في مواجهاتٍ جديدة لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج العنف وتعميق الانقسامات.
ولا تكمن الخطورة فقط في احتمال اندلاع مواجهات عسكرية، بل في تحويل الخلافات السياسية إلى عداءٍ اجتماعي طويل الأمد، فالحروب قد تنتهي بتسوياتٍ سياسية، لكن آثار الكراهية وفقدان الثقة قد تبقى في ذاكرة المجتمعات، مما يجعل عملية إعادة بناء الدولة أكثر صعوبة.
البُعد الإقليمي.. صراعات النفوذ وتوظيف الهويات
يرى مراقبون أن أحد أخطر أبعاد هذه التحركات هو احتمال ارتباطها بصراعات إقليمية تتجاوز الحدود السورية. فتركيا، التي تنظر إلى الملف الكردي باعتباره مرتبطاً مباشرةً بأمنها القومي، تتعامل منذ سنوات مع صعود الحركات الكردية في المنطقة باعتباره تحدياً استراتيجياً.
وبحسب بعض التحليلات، تسعى أنقرة إلى منع قيام أي نموذج كردي يتمتع بدرجة من الإدارة الذاتية على حدودها، سواء في روج آفا وشمال وشرق سوريا أو في مناطق أخرى، وتستخدم لتحقيق ذلك أدوات سياسية وأمنية واجتماعية مختلفة لتعزيز نفوذها وحماية مصالحها.
كما يرى بعض المحللين أن أي تحولات إقليمية قد تعزز مطالب الكرد في دول الجوار تُنظر إليها في أنقرة بوصفها عاملاً قد يؤثر في توازناتها الداخلية، وهو ما ينعكس على سياساتها تجاه الملف الكردي في سوريا.
وفي هذا السياق، تذهب بعض القراءات إلى أن تنشيط الخطابات التعبوية في بعض المناطق السوريّة قد ينسجم مع أهداف إقليمية تسعى إلى إعادة رسم موازين القوى ومنع تثبيت واقع سياسي جديد في المنطقة. وتبقى هذه القراءة في إطار التحليل السياسي، إذ يتطلب إثبات أي دور مباشر لأي جهة أدلة موثقة.
هل نحن أمام إعادة إنتاج لسياسة الحروب بالوكالة؟
تشير تجارب المنطقة إلى أن أخطر ما يهدد الدول الخارجة من النزاعات هو انتقال الصراع من مواجهةٍ بين الدول إلى صراع بين شعوب المجتمع الواحد. فعندما يصبح الأهالي أو القوى الاجتماعية أدوات في مشاريع النفوذ الإقليمي، يفقد القرار الوطني استقلاليته، وتتحول المجتمعات المحلية إلى ساحاتٍ لتصفية الحسابات.
وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، يحاول كل طرف تحسين موقعه السياسي قبل الوصول إلى أي تسوية نهائية للأزمة السوريّة، وهنا يصبح استغلال السوريين وسيلة لإعادة رسم خرائط النفوذ أكثر من كونها استجابةً لحاجات المجتمع المحلي.
إن أخطر ما في هذه السياسة أنها لا تخلق استقراراً دائماً، بل تنتج دورات متكررة من العنف، وتؤجل بناء سوريا، وتغذي الشكوك بين الشعوب الوطنية.
مستقبل سوريابين مشروع المواطنة ومنطق الاصطفافات
إن نجاح أي عملية انتقال سياسي لن يقاس بعدد الاتفاقات الموقّعة، وإنما بقدرة الدولة على بناء مؤسسات مهنية ومحايدة، تمنع استخدام العشائر أو القوميات أو الطوائف كأدواتٍ في المنافسة السياسية أو العسكرية.
فالدولة الحديثة تحتكر القانون والسلاح، بينما يؤدي تعدد مراكز التعبئة والولاءات إلى إضعاف هيبتها وتقويض قدرتها على إدارة التنوع الوطني. ومن هنا، فإن حماية سوريا لا تتحقق عبر انتصار شعب على آخر، وإنما عبر بناء عقد وطني جديد يضمن المساواة في الحقوق والواجبات لجميع السوريين، ويحترم خصوصياتهم الثقافية والقومية ضمن إطار وطن واحد.
مسؤولية العشائر والنُخب الوطنية
لقد لعبت العشائر السوريّة تاريخياً دوراً في حماية السلم الأهلي وحل النزاعات المحلية، وهو دور يمكن أن يكون أكثر أهمية في هذه المرحلة الحساسة. ومن مصلحة العشائر، كما هو من مصلحة جميع الشعوب، أن تبقى عامل استقرار وجسراً للحوار، لا أن تُزج في استقطابات سياسية أو عسكرية قد تؤدي إلى صدامات بين أبناء الوطن الواحد.
كما تتحمل النُخب السياسية والثقافية والإعلامية مسؤولية كبيرة في مواجهة خطاب الكراهية، وترسيخ ثقافة الحوار والشراكة؛ لأن إعادة بناء الثقة بين السوريين لا تقل أهمية عن إعادة بناء المؤسسات.
لقد أثبتت سنوات الأزمة أن جميع السوريين، بمختلف قومياتهم وانتماءاتهم، دفعوا ثمناً باهظاً للصراع. ولذلك؛ فإن أي مشروع يقوم على تعبئة العرب ضد الكرد، أو الكرد ضد العرب، أو أي شعب ضد آخر، لا يمكن أن يشكل أساساً لاستقرار دائم، بل يحمل مخاطر تعميق الانقسام وإطالة أمد الأزمة. إن مستقبل سوريا لن يصنعه من ينجح في إقامة مزيد من خيام التعبئة، وإنما من ينجح في بناء دولة المواطنة والقانون، التي يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات.
فالتنوع السوري ليس مشكلة تحتاج إلى حلول أمنية، بل حقيقة تاريخية وثروة وطنية، وحماية هذا التنوع، ومنع استغلاله في صراعات النفوذ الإقليمي، تمثلان شرطاً أساسياً لبناء سوريا مستقرة، سيدة القرار، وقادرة على حماية جميع أبنائها دون تمييز.