في خضم التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة والتطورات الداخلية المعقدة، تشهد تركيا مرحلة جديدة أُطلق عليها اسم “مرحلة السلام والمجتمع الديمقراطي”، وهي مسار استراتيجي يهدف إلى طيّ صفحة عقود طويلة من الصراع والنزاع المسلح، واستبدالها بمسارات سياسية وقانونية قائمة على الحوار والتوافق والاندماج الديمقراطي، ويُنظر إلى هذه المرحلة بوصفها فرصةً تاريخية لتلبية تطلعات الشعبين الكردي والتركي.
كما أن تحقيق السلام بات ضرورة مرحلية ومطلباً مجتمعياً ملحاً لفتح الباب أمام بناء مجتمع ديمقراطي تعددي يضمن حقوق جميع الشعوب ويؤسس لدولة أكثر استقراراً وقوة.
وفي هذا السياق، أكد القائد عبد الله أوجلان، في تقييماته الأخيرة التي نقلها وفد حزب المساواة وديمقراطية الشعوب إلى وسائل الإعلام، وجود حاجة ملحّة إلى إرساء قانون إطاري يراعي حساسيات جميع الأطراف، مشيراً إلى أن أي تقدم حقيقي في مسار الحل يتطلب توافقاً قانونياً وسياسياً شاملاً يضمن مشاركة الجميع. كما شدد على ضرورة التخلي عن المقاربات الضيقة والآنية التي لا تخدم المستقبل، والعمل بصورةٍ جماعية من أجل بناء حياة مشتركة قائمة على الديمقراطية والعدالة.
ومن خلال قراءة متأنية لهذه التقييمات، يمكن ملاحظة إصرار القائد عبد الله أوجلان والتزامه الواضح بإنجاح مسار السلام والمجتمع الديمقراطي في شمال كردستان وتركيا، انطلاقاً من رؤية استراتيجية تستند إلى مبادئ العيش المشترك والأخوّة بين الشعوب والتحول الديمقراطي العادل. وفي هذا الإطار، يواصل التأكيد على أهمية وضع إطار قانوني يفتح الطريق أمام حل القضية الكردية بصورةٍ ديمقراطية ويكرّس الحقوق والحريات الأساسية، بما يضمن مستقبلاً تُصان فيه الكرامة الإنسانية وتُحترم فيه إرادة الشعوب.
يرى كثيرون إن سياسات تركيا لا تنسجم مع متطلبات المرحلة الجديدة، مع ذلك الجهود الرامية إلى دفع مسار الحل إلى الأمام ما تزال مستمرة، مدفوعةً بإرادة سياسية وشعبية تسعى إلى تحويل فرصة السلام إلى واقعٍ ملموس.
وتبرز في هذا السياق ضرورة تكثيف الجهود الرامية إلى إرساء القانون الإطاري، باعتباره خطوةً محوريةً وأساساً لا غنى عنه لفتح آفاق جديدة أمام تسوية شاملة وعادلة للقضية الكردية، ولا سيما مع اقتراب الاستحقاقات السياسية ودخول البرلمان التركي عطلة الصيف، فإقرار مثل هذا الإطار القانوني لن يشكل نهاية المسار، بل سيكون بداية لمرحلة تتطلب لاحقاً سنّ تشريعات وقوانين أخرى تكفل نجاح عملية السلام بصورةٍ كاملة، وتؤسس لبيئة حقوقية وديمقراطية تتيح للكرد التعبير عن هويتهم وثقافتهم ولغتهم بصورةٍ رسمية وضمن إطار دستوري وقانوني واضح.
الفرصة مواتية لتحقيق السلام في تركيا وكردستان. فالقانون الإطاري ليس محطة أخيرة، بل بوابة عبور نحو مرحلة جديدة تتطلب معالجة جملة من القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها ضمان الحقوق الثقافية واللغوية للكرد، وتعزيز الإدارة المحلية، وترسيخ مبادئ المشاركة الديمقراطية. كما أن نجاح هذه العملية يقتضي تجاوز المقاربات الأمنية التقليدية التي أعاقت في مراحل سابقة فرص الحل، والعمل على بناء مناخ سياسي أكثر انفتاحاً يواكب تطلعات المجتمع.
إن السلام الدائم لا يمكن أن يتحقق من دون تحول ديمقراطي حقيقي، واستعداد تركيا لاتخاذ خطوات عملية وجريئة تعزز الثقة بين الأطراف ومعالجة القضايا العالقة بروح الشراكة والمسؤولية، لتتحول الفرصة التاريخية إلى واقعٍ معاش بكلِّ تفاصيله.