مع مقاومة كوباني، أعطى نور التنوير في القرن الحادي والعشرين ضد الظلام أمل الحرية للإنسانية. كان ذلك النور في نظرات الشابات اللواتي جعلن أجسادهن درعاً أمام فوهات دبابات داعش، وفي نظرات شباب كردستان والدوليين الذين اختلطت دماؤهم ببعضها. كان دفاع المقاومين الذين حكمت إرادتهم وأملهم وشعورهم وفكرهم السلاح، حيّاً حيّاً، وشارعاً شارعاً. رأى العالم على البث المباشر: سقطت الجدران، لكن الإيمان لم يسقط. قيل إن كوباني سقطت، لكنها لم تسقط. وفي المكان الذي قيل فيه إنها دُمرت، نهضت من جديد؛ لأنها لم تكن مجرد مدينة. كانت الرد الأكبر الذي قدمته الإنسانية في القرن الحادي والعشرين ضد مراكز القوى المظلمة للفاشية.
ولم يعرف ذلك الرد الحدود. الشعلة التي اشتعلت في كوباني امتدت من روج آفا إلى تركيا، ومن كردستان إلى كل الجغرافيا؛ الذين حملوا تلك الشعلة انطلقوا في الطريق. في صباح 20 تموز حمل 33 من حاملي الحلم ذلك الأمل على ظهورهم. القرنفل في الكف، “أخوة الشعوب” على اللسان، والسلام في الحقيبة. كانوا ذاهبين ليحملوا النار التي أُشعلت في كوباني إلى سروج، ومن سروج إلى كل جغرافيا الأناضول وكردستان.
كانت الساعة العاشرة. كان الهواء في ساحة مركز أمارة الثقافي في سروج قد انطبق كالحديد الساخن. الكراسي البلاستيكية، سلك الميكروفون الملقى على الأرض، والقمصان المكتوب عليها “SGDF”. جملتان كُتبتا بقلم رصاص في زاوية اللافتة: “هناك أمل”. وبقيت عبارة “تحيا أخوة الشعوب” معلقة في الهواء. حدث انفجار ثم صمت ثم صراخ. تجمدت ضحكاتهم في صور السيلفي، كان أحدهم يمسك بقطعة سمسم، وكان آخر يعدل نظارته. 33 روحاً؛ شباب جاؤوا من كل أطراف الأناضول وبلاد ما بين النهرين. النور الذي بدأ في كوباني، استُهدف في سروج.
ظنوا أن الأمر انتهى. لكنهم أخطؤوا؛ لأن جذر القرنفل عميق، لا يمكنك اقتلاعه. كل جسد ارتقى في كوباني شهيداً، أصبح مليون قرنفل في سروج. اسم واحد صُمت، وعاش في ألف اسم. لم يكن هذا صدفة. حاولوا إطفاء نور القرن الحادي والعشرين. لم ينجحوا؛ النور لا ينطفئ لأنه استُهدف. بل ينتشر أكثر. هناك رجفة جناح العنقاء الناهض من الرماد. تؤلم وتلمع في آن. انتقلت تلك الرجفة من كوباني إلى سروج، ومنها إلى مياه الفرات، وإلى قمم جغرافيا الأناضول وبلاد ما بين النهرين. الفرات وجد طريقه وهو يلعق الحجر. في جبال الأناضول أطلقت أم موالاً، وفي سهل سروج أصبح ذلك الموال تهويدة لألف أم. مهما فعل الظلم، فإن الماء يجد طريقه؛ لأن المقاومة ليست لحظة، إنها استمرارية. ما بدأ في كوباني، حاولوا تقسيمه في سروج. لكن خط المقاومة لم ينقطع؛ فقط أصبح أكثر سمكاً.
لا أبدية الحب ولا أبدية النضال هي في اللقاء ولا في الشوق. هي في الوتر المشدود بينهما. كوباني شدت ذلك الوتر نحو جهة الأمل. في سروج حاولوا شده نحو جهة الحزن. عندما تصل الشمس إلى منتصف السماء كل يوم فوق قمة نمرود، فإنها توسّط ذلك الوتر. لا ينقطع؛ فقط يرتجف ويتحول إلى نغمة. بالمقاومين يمشون بتلك النغمة. هذه المقاومة كتبت التاريخ بخطوات الـ 33 من حاملي الحلم، والمقاومين في كوباني.
منذ 13,8 مليار سنة يقول الكون الشيء نفسه: لا وجود للوصول، هناك بداية فقط. الانفجار العظيم لم يكن نهاية، بل كان الكلمة الأولى. كوباني كانت كذلك. وسروج كذلك. كلاهما هامش جديد سُجل في تاريخ الإنسانية. المقاومون هم حبر ذلك الهامش. لذلك؛ في كل فجر لا نضع في الحقيبة حملاً بل أملاً؛ لأن من ينطلق في الطريق لا يحمل حملاً. من يترك الحمل هو من يمضي. الذين انطلقوا من كوباني كانوا يعرفون ذلك. والذين ذهبوا إلى سروج أيضاً.
عندما يقترب المذنب أكثر ما يكون من الشمس، فإنه يمد ذيله. ملايين الكيلومترات من الغبار والنور. ذلك الذيل هو قصيدة المقاومين. كل ما تركوه خلفهم. الملحمة المكتوبة على جدران كوباني، في ساحة سروج، وفي كل شبر من أرض الأناضول وبلاد ما بين النهرين. تلمس الشمس الأرض للحظة ثم تنسحب. العنقاء ترف بجناحها مرة ثم تحترق من جديد. المقاومون يبدؤون من جديد في كل فجر. لأن خط المقاومين هو الطريق وهو الهدف معاً. هو الجرح وهو الدواء معاً.
النسيان موت ثانٍ. والمقاومون لم يقبلوا حتى بالموت الأول. حاولوا إطفاء نور كوباني، وحاولوا تغطيته بسروج. لم يفلحوا. نور تنوير القرن الحادي والعشرين اشتعل أكثر بـ 33 قرنفلة.
المقاومون هم الذين اختاروا الحياة عناداً للموت، هم الذين حملوا القرنفل في أكفهم، هم الذين أعادوا بناء الفجر، وهم في جهة الأمل.. في كل فجر.