د. نجيب روفا سفري
كثيرًا ما نسمع شاعرًا يقول: كتبتُ قصيدة. ولا أرى في هذه العبارة إلا نصف الحقيقة، لأن الحقيقة الكاملة هي أن القصيدة هي التي كتبت شاعرها أولًا، ثم كتبها هو بعد ذلك. فالقصيدة لا تبدأ من القلم، ولا من الورقة، ولا من الوزن، ولا من القافية، وإنما تبدأ من رجفةٍ في القلب، ومن شرارةٍ في الروح، ومن شعورٍ لا يهدأ حتى يجد لنفسه لغة. إن الشعر وُلِد بعد الشعور، ولا يمكن للشعور أن يولد بعد الشعر. فالشاعر ليس ذلك الإنسان الذي يجلس ساعات يرص الكلمات كما تُرص الحجارة، وإنما هو الإنسان الذي يداهمه الإحساس حتى يفيض، فيتحول إلى صور، ثم إلى كلمات، ثم إلى قصيدة.
الشاعر الحقيقي لا يفتعل القصيدة، بل يعيشها. أليس الفرح هو الذي يرسم الابتسامة على الشفاه قبل أن نفكر بالابتسام؟ وأليس الحزن هو الذي يستدعي الدموع قبل أن تأذن له العيون؟ وأليست الحسرة تسبق التنهد، والشوق يسبق اللقاء، والحنين يسبق الطريق؟
هكذا هو الشعر…
إنه نتيجة طبيعية للشعور، وليس نتيجة صناعية للتفكير. ولذلك أخطأ من ظن أن الشعر هو الوزن وحده، أو القافية وحدها. الوزن ثوب. والقافية زينة أما الشعر فهو الجسد الذي يلبس الثوب، والروح التي تمنح الزينة معناها.
وكم من شاعرٍ ضحّى بمعنى عظيم حتى تستقيم قافيته…وكم من فكرةٍ ساميةٍ ذُبحت على مذبح البحر العروضي…
وكم من بيتٍ خرج موزونًا كاملًا، لكنه خرج بلا نبض، كجسدٍ جميلٍ بلا حياة.
إن الوزن لا يصنع الشعر. كما أن معرفة المقامات لا تجعل الإنسان مطربًا. وكما أن امتلاك الألوان لا يجعل صاحبه رسامًا.
وقد يقول قائل: ولكن الشعر الحديث لا يلتزم الوزن. وأقول: الشعر شعر، سواء جاء عموديًا أو حرًا أو نثرًا.
فالقصيدة لا تُقاس بعدد التفعيلات، وإنما بمقدار ما تهز القلب. ليس المهم شكل المركب… بل أن يصل إلى الشاطئ. والشاعر يبقى شاعرًا حتى وهو يكتب النثر؛ لأنه لن يكتب النثر كما يكتبه الناثر، وإنما سيكتب نثرًا تنبض فيه الموسيقى، وتضيء فيه الصورة، ويتحرك فيه الخيال.
إن الشعر يسكن صاحبه، ولا يسكن القصيدة وحدها. وليس كل من حفظ اللغة أصبح شاعرًا. وليس كل من أتقن العروض صار مبدعًا. هناك من يحفظ آلاف المفردات القديمة، ويجيد أسماء البحور كلها، ويعرف الزحافات والعلل عن ظهر قلب، ثم تقرأ شعره فلا تجد فيه قلبًا واحدًا يخفق.
كلماته ورودٌ جميلة… ولكنها بلا عطر. وأبياته مصابيح… لكنها بلا نور.
أما الشعر الحقيقي، فعطره العاطفة. وروحه الوجدان.. ونبضه الإحساس.
ولذلك يبقى أعذب الشعر أسهله، لا بمعنى السطحية، بل بمعنى العذوبة.
ذلك الشعر الذي يدخل القلب دون استئذان. ويجلس في الذاكرة دون عناء.
وتحفظه الأذن من أول مرة لأنها أحبته قبل أن تحفظه. لكن؛… إذا كانت الموهبة هي أساس الشعر، فإن اللغة هي أساس الموهبة. ولا مساومة في هذه القضية. ولا اجتهاد فيها. ولا تبرير لها.
من أراد أن يكون شاعرًا، فعليه أولًا أن يحترم اللغة التي يكتب بها. فمن المؤلم أن نجد من يكتب: “انتي” بدل “أنتِ”. و”لاكن” بدل “لكن”. و”ذالك” بدل “ذلك”.
و”هاذا” بدل “هذا”. و”إلاه” بدل “إله”. و”هواكي” بدل “هواكِ”. و”عيناكي” بدل “عيناكِ”. و”ما عدتي” بدل “ما عدتِ”.
ثم يغضب إذا نُبِّه إلى الخطأ. بل الأخطر من ذلك أن يخترع نحوًا جديدًا، فيرفع المنصوب، وينصب المرفوع، ويجر الفاعل، ويترك المفعول، ثم يقول بثقة:
“يحق للشاعر ما لا يحق لغيره”.
كلا…لا يحق للشاعر أن يفسد اللغة. ولا يحق له أن يشوه قواعدها. ولا يحق له أن يحول الأخطاء إلى مدرسة. فاللغة ليست ملكًا لأحد. بل نحن ضيوف عليها. نعم. أجاز العروض بعض الضرورات الشعرية. لكن الضرورة شيء… والجهل شيء آخر. فالضرورة تأتي لحماية الإيقاع، أما الجهل فيقتل اللغة والإيقاع معًا. ولذلك؛ أقول لكل شاعر ناشئ: اقرأ
ثم اقرأ. اقرأ الشعر القديم لتعرف الجذور. واقرأ الشعر الحديث لتعرف الآفاق. واقرأ الرواية لتتعلم السرد. واقرأ الفلسفة لتتسع الرؤية. واقرأ التاريخ حتى لا تعيد كتابة الماضي بجهل. فالشاعر الذي لا يقرأ، ينتهي إلى تكرار نفسه. والقصيدة التي لا تتغذى من المعرفة، تموت سريعًا.
وأقول أيضًا: اكتب بالعامية إن أردت…لكن اكتبها عامية خالصة. واكتب بالفصحى إن أردت.. لكن اكتبها فصحى سليمة. أما المزج العشوائي بينهما، فهو ظلم للطرفين. للفصحى التي تفقد هيبتها وللعامية التي تفقد صدقها. لكل لغة موسيقاها. ولكل أسلوب شخصيته. والشعر ليس خطبة وليس محاضرة وليس تقريرًا صحفيًا. الشعر لمحة. الشعر دهشة. الشعر برقٌ يضيء السماء في لحظة، لكنه يترك أثره طويلًا.
إنه كلمة قليلة تحمل عالمًا كاملًا. وصورة صغيرة تختزن عمرًا بأكمله. ولست أؤمن بأن في الشعر عرشًا دائمًا. ولا أميرًا أبديًا. ولا زعيمًا يحتكر القصيدة. ففي كل يوم يولد شاعر جديد. وفي كل زمن تظهر موهبة تتجاوز من سبقها. والقصيدة لا تعترف بالألقاب، بل تعترف بالجمال فقط. ومما يؤسف له أننا ما زلنا نجد شعراء يعيشون خارج زمنهم. يتغزلون بعيون البقر الوحشي، ويبكون على الأطلال، بينما يحمل كل واحد منهم هاتفًا ذكيًا ويعيش عصر الذكاء الاصطناعي. وما زال بعضهم يفتش في قواميس اللغة عن أكثر الكلمات غرابة، لا لأنها أجمل، بل لأنها أصعب، وكأن الغموض فضيلة، والتعقيد دليل عبقرية.
الحقيقة أن الكلمة التي تحتاج إلى معجم في كل سطر ليست بالضرورة كلمة شعرية. فالشعر لا يقاس بصعوبة المفردة، وإنما بقدرتها على الإيحاء. والبلاغة ليست في تعذيب القارئ، بل في إدهاشه. ومع ذلك، فإن الساحة لا تخلو من شعراء كبار، يستحقون كل تقدير، لأنهم حافظوا على أصالة الشعر، وطوروه دون أن يقطعوا جذوره. كما أن هناك مواهب واعدة تستحق التشجيع، لأنها تؤمن بأن الشعر مسؤولية قبل أن يكون شهرة، ورسالة قبل أن يكون لقبًا.
وأخيرًا… إذا أردت أن تكون شاعرًا، فلا تسأل نفسك: كم قصيدة كتبت؟
بل اسأل: كم قصيدة غيرتني؟ كم مرة خرجت من قصيدتي إنسانًا أفضل؟ كم قارئًا شعر أنني كتبت شيئًا من قلبه قبل أن أكتب شيئًا من قلبي؟
هناك فقط… تعرف أن القصيدة لم تكن كلماتك… بل كانت هي التي كتبتك.