عندما انطلقت ثورة روج آفا في التاسع عشر من تموز عام 2012، لم يكن هدفها ملء الفراغ الأمني أو إدارة منطقة خرجت عن سيطرة الحكومة السورية فحسب، بل سعت إلى بناء نموذج مجتمعي متكامل يقوم على الإدارة الذاتية والمشاركة الشعبية والاعتماد على إمكانات المجتمع المحلية، وفي الوقت الذي كانت فيه معظم المناطق السورية تغرق في الفوضى الاقتصادية وانهيار المؤسسات؛ بدأت مناطق شمال وشرق سوريا برسم ملامح تجربة مختلفة، اعتمدت على تنظيم المجتمع، وتفعيل دور المجالس والكومينات، وإطلاق الجمعيات التعاونية، وإعادة إحياء القطاع الزراعي باعتباره الركيزة الأساسية للاقتصاد.
لم تكن الثورة مشروعاً سياسياً فقط
منذ السنوات الأولى للثورة، واجهت الإدارة الذاتية تحديات هائلة، فقد فُرضت عليها حصارات متعددة، وأُغلقت المعابر، وتعرضت بنيتها التحتية لاستهداف مستمر، سواء من داعش خلال سنوات الأزمة أو من الهجمات التركية التي استهدفت محطات الكهرباء والغاز والنفط والطرق والجسور ومستودعات الحبوب والمنشآت الخدمية. ورغم ذلك، استطاعت هذه المناطق أن تحافظ على مستوى معيشي ظل مقارنةً بمعظم المناطق السورية، أكثر استقراراً، سواء من حيث توفر المواد الأساسية أو أسعارها أو استمرار الخدمات العامة.
ولم يكن ذلك نتيجة وفرة الموارد فقط، بل نتيجة فلسفة اقتصادية مختلفة قامت على تقليل الاحتكار، وتشجيع الإنتاج المحلي، وربط الاقتصاد بالمجتمع بدلاً من ربطه بمراكز السلطة ورؤوس الأموال الكبرى. ولهذا، أصبحت تجربة روج آفا موضع اهتمام العديد من الباحثين الذين رأوا فيها نموذجاً اقتصادياً نشأ في ظروف الحرب، لكنه استطاع الصمود بفضل اعتماد المجتمع على نفسه.
واليوم، وبعد المتغيرات السياسية التي شهدتها سوريا، ولا سيما الاتفاق الموقّع في التاسع والعشرين من كانون الثاني بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية المؤقتة، عاد الملف الاقتصادي إلى الواجهة. لكن؛ بصورة مختلفة تماماً، فبدلاً من الحديث عن التنمية والإنتاج، أصبح السوريون يتحدثون عن الغلاء، وانهيار القدرة الشرائية، وارتفاع أسعار المحروقات والخبز والمواد الغذائية، الأمر الذي دفع كثيرين إلى وصف المرحلة الحالية بأنها “ثورة جوع” تهدد حياة ملايين السوريين.
الاقتصاد المجتمعي… تجربة صنعتها الضرورة
لم تنظر ثورة روج آفا إلى الاقتصاد بوصفه قطاعاً منفصلاً عن المجتمع، بل اعتبرته أحد الأعمدة الأساسية لحماية الاستقرار وتعزيز قدرة السكان على الصمود في ظل الحرب. فمنذ السنوات الأولى، ومع تراجع المؤسسات الحكومية وانقطاع سلاسل الإمداد التقليدية، برزت الحاجة إلى بناء نموذج اقتصادي قادر على تلبية الاحتياجات اليومية بالاعتماد على الإمكانات المحلية. وانطلاقاً من هذا التصور، أُعطيت الأولوية لتشجيع الإنتاج بدلاً من الاعتماد على الاستيراد، ولإعادة تنشيط القطاعات التي تشكل مصدر الدخل الرئيسي للسكان، وفي مقدمتها الزراعة وتربية الثروة الحيوانية والصناعات الغذائية البسيطة.
ولتحقيق ذلك، جرى تأسيس عدد كبير من الجمعيات التعاونية التي شارك فيها الأهالي بصورةٍ مباشرة، سواء في استثمار الأراضي الزراعية أو تشغيل الورش الإنتاجية الصغيرة، بما أتاح توزيعاً أوسع للعوائد وحدّ من احتكار النشاط الاقتصادي. كما خُصصت برامج لدعم الفلاحين عبر توفير مستلزمات الإنتاج، وإعادة استصلاح الأراضي المتضررة، وتشجيع زراعة المحاصيل الاستراتيجية التي تؤمن احتياجات السوق المحلية، الأمر الذي ساهم في تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية رغم ظروف الحصار.
وفي موازاة ذلك، حظيت المرأة بدور اقتصادي متقدم من خلال تعاونيات إنتاجية شملت مجالات الأغذية، والخياطة، والأعمال الحرفية، لتتحول هذه المبادرات إلى مصدر دخل لآلاف الأسر، وتعزز المشاركة المجتمعية في عملية الإنتاج، كذلك اضطلعت الإدارات المحلية والبلديات بدور في مراقبة الأسواق، والحد من المضاربة والاحتكار، والسعي إلى تحقيق توازن بين المنتج والمستهلك، بما يحافظ على استقرار الأسعار قدر الإمكان.
ورغم امتلاك مناطق شمال وشرق سوريا لجزءٍ كبير من الثروات الطبيعية السورية، فإن إدارتها جاءت ضمن رؤية تقوم على توظيف هذه الموارد في خدمة المجتمع، وليس تحويلها إلى أدوات للربح السريع. وقد انعكس ذلك على تكلفة المحروقات والطاقة، التي بقيت ضمن مستويات ساعدت في استمرار النشاط الزراعي والحركة التجارية، مقارنةً بما شهدته مناطق سوريّة أخرى من ارتفاعات حادة أثقلت كاهل السكان.
وبطبيعة الحال، لم تكن هذه التجربة بمنأى عن العقبات، إذ اصطدمت بنقص الاستثمارات، وصعوبة الوصول إلى التكنولوجيا الحديثة، والاستهداف المتكرر للبنية التحتية من قبل الهجمات التركية، إلى جانب الحصار الذي قيّد حركة التجارة والتنمية. إلا أن هذه التحديات لم تمنع استمرار العمل وفق رؤية اقتصادية تضع احتياجات المجتمع والإنتاج المحلي في صدارة الأولويات، وهو ما منح هذا النموذج قدرة ملحوظة على الصمود، ورسّخ فكرة أن الاقتصاد المجتمعي يمكن أن يشكل أحد أهم عناصر الاستقرار في أوقات الأزمات.
الحصار والهجمات التركية… حرب استهدفت لقمة العيش
لم تواجه ثورة التاسع عشر من تموز “روج آفا” الحرب العسكرية فقط، بل خاضت أيضاً حرباً اقتصادية طويلة، فالحصار المفروض على مناطق شمال وشرق سوريا منذ سنوات حدّ من حركة التجارة والاستثمار، وأعاق وصول المعدات والمواد الأولية، كما أغلق الكثير من منافذ التصدير والاستيراد.
وفي الوقت نفسه، كثفت تركيا هجماتها على البنية التحتية الحيوية، مستهدفة محطات الكهرباء، وحقول النفط، ومحطات الغاز، ومستودعات الحبوب، ومصانع الإسمنت، والجسور والطرقات، في محاولة لإضعاف الاقتصاد المحلي ودفع السكان نحو التهجير.
وكانت الضربات التي تعرضت لها منشآت الطاقة خلال الأعوام الأخيرة من أكثر الهجمات تأثيراً، إذ انعكس تدميرها على قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات، وأدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وانخفاض ساعات التغذية الكهربائية. ورغم هذه الظروف، استمرت الإدارة الذاتية في دعم القطاع الزراعي، وتأمين الخبز، والحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات، وهو ما حال دون وقوع انهيار اقتصادي شامل كالذي شهدته مناطق سوريّة أخرى.
ولعل المفارقة الأبرز أن مناطق عانت من حصار وهجمات مستمرة استطاعت أن تحافظ على قدرٍ من الاستقرار الاقتصادي، في حين شهدت مناطق أخرى، رغم انفتاحها على الأسواق، موجات متلاحقة من التضخم والانهيار المعيشي.
اتفاق 29 كانون الثاني… بداية مرحلة اقتصادية جديدة
مع توقيع اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني، دخلت سوريا مرحلة سياسية جديدة حملت معها وعوداً بإعادة توحيد المؤسسات الاقتصادية والإدارية، واعتبر كثيرون أن هذه الخطوة قد تمهد لبناء اقتصاد وطني موحد. لكن؛ التطبيق العملي كشف عن تحديات كبيرة، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالمحروقات والأسعار وإدارة الموارد.
فمع تطبيق بنود الاتفاقية، وفرض سياسات موحدة تحت عنوان “توحيد الأسعار”، شهدت أسواق الرقة ودير الزور والطبقة، ثم مناطق سوريّة أخرى، ارتفاعات متتالية في أسعار الوقود والمواد الأساسية، لتنتقل آثارها سريعاً إلى مختلف القطاعات الاقتصادية.
وأصبح ارتفاع أسعار المحروقات سبباً مباشراً في زيادة تكاليف النقل والزراعة والصناعة؛ الأمر الذي انعكس على أسعار الخبز والخضروات والسلع الغذائية، بينما بقيت دخول المواطنين شبه ثابتة، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية بصورةٍ غير مسبوقة.
وأمام هذا الواقع، بدأ كثير من السوريين يقارنون بين المرحلة السابقة، عندما كانت الإدارة الذاتية تدير اقتصادها وفق آليات محلية، وبين المرحلة الحالية التي ارتبطت فيها الأسعار بقرارات مركزية لم تراعِ الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين المناطق المختلفة.
ولم تعد أزمة الأسعار تقتصر على منطقة دون أخرى، بل امتدت لتشمل مختلف المحافظات السورية، حيث باتت تكاليف المعيشة ترتفع بوتيرة أسرع من أي زيادة في الأجور أو فرص العمل. في الرقة، اشتكى الأهالي من ارتفاع أسعار الوقود وما تبعه من زيادة في أسعار النقل والمواد الغذائية. وفي دير الزور، تأثر القطاع الزراعي بارتفاع تكاليف الإنتاج، بينما شهدت الطبقة موجات غلاء متتالية طالت معظم السلع الأساسية. أما في بقية المحافظات السورية، فقد أصبح الغلاء السمة الأبرز للأسواق، حيث ارتفعت أسعار اللحوم والألبان والزيوت والخضروات والخبز، وأصبح تأمين الاحتياجات اليومية يشكل عبئاً متزايداً على غالبية الأسر. ولم يعد الحديث يدور حول تحسين مستوى المعيشة، بل حول كيفية تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، في وقت تتراجع فيه فرص العمل ويزداد الضغط على مختلف الشرائح الاجتماعية.
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بارتفاع الأسعار، بل أيضاً بغياب رؤية اقتصادية تقوم على تشجيع الإنتاج المحلي، ودعم الزراعة والصناعة، وتحقيق الأمن الغذائي، وهي المبادئ التي شكلت أحد أبرز مرتكزات تجربة الإدارة الذاتية خلال السنوات الماضية.
تجربة روج آفا… خريطة طريق للاقتصاد السوري
بعد أربعة عشر عاماً على انطلاق ثورة روج آفا، لا يزال نموذجها الاقتصادي يطرح نفسه في النقاشات المتعلقة بمستقبل سوريا. فالتجربة، رغم كل ما تعرضت له من حصار وهجمات وتحديات، أثبتت أن بناء اقتصاد يعتمد على المجتمع والإنتاج المحلي يمكن أن يوفر قدراً من الصمود حتى في أصعب الظروف.
لقد قامت فلسفة الاقتصاد في روج آفا على فكرة أن الأمن الاقتصادي يبدأ من القرية، ومن الفلاح، ومن التعاونية، ومن تمكين المرأة، ومن توزيع الموارد بطريقة تحقق العدالة الاجتماعية، لا من احتكار الثروة أو ربطها بالمركز فقط. كما أكدت التجربة أن الثروات الطبيعية، من نفط وغاز وقمح ومياه، لا تحقق التنمية ما لم تدار ضمن رؤية تنموية شاملة تعطي الأولوية للإنسان، وتعيد استثمار العائدات في التعليم والصحة والزراعة والخدمات.
واليوم، بينما تواجه سوريا واحدة من أصعب أزماتها الاقتصادية، تعود تجربة روج آفا لتطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة الاقتصاد الذي تحتاجه البلاد في المرحلة المقبلة. فهل يكون اقتصاداً قائماً على المركزية والأسواق المفتوحة دون ضوابط، أم اقتصاداً يوازن بين الإدارة المحلية والإنتاج المجتمعي والعدالة في توزيع الموارد؟
إن ما تشهده الأسواق السورية من ارتفاع متواصل للأسعار، وتراجع في القوة الشرائية، واتساع رقعة الفقر، يؤكد أن الأزمة ليست أزمة أرقام فقط، بل أزمة نموذج اقتصادي كامل. ومن هنا، تبدو تجربة ثورة روج آفا، بما حملته من مفاهيم الاكتفاء الذاتي، والتعاونيات، ودعم الزراعة، وتنظيم المجتمع، أكثر من مجرد تجربة محلية، بل مشروعاً يمكن الاستفادة من كثير من مرتكزاته في صياغة رؤية اقتصادية لسوريا المستقبل.
فالثورة التي انطلقت دفاعاً عن الحرية والكرامة لم تكتفِ بإعادة تنظيم الإدارة والسياسة، بل حاولت أيضاً إعادة تعريف العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع. وبينما تتصاعد اليوم معاناة السوريين تحت وطأة الغلاء وتراجع مستوى المعيشة، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً لاستعادة السياسات التي تضع الإنسان والإنتاج المحلي والأمن الغذائي في صلب أي مشروع اقتصادي وطني، باعتبارها الطريق الأكثر قدرة على مواجهة الأزمات وبناء اقتصاد يحقق الاستقرار والعدالة لجميع السوريين.