ثمة عبارات نقرؤها في طفولتنا، ثم نمضي في الحياة ظانين أننا نسيناها، غير أن الذاكرة تحتفظ بها في مكان خفي، لتعيدها إلينا بعد سنوات طويلة بصورة مختلفة، عندها لا نكتشف معنى العبارة فحسب، وإنما نكتشف شيئاً عن أنفسنا أيضاً.
في المرحلة الابتدائية، كنت أستبق المعلّم إلى الدروس، مدفوعاً بفضول طفل يريد اكتشاف أسرار الصفحات قبل أن تُكشف له، وذات يوم، بينما كنت أتصفح كتاب العلوم، استوقفتني عبارة قصيرة لم أدرِ يومها أنها سترافقني سنوات طويلة:
«البيت الذي تدخله الشمس لا يدخله طبيب».
أعدت قراءة العبارة أكثر من مرة، كانت الكلمات واضحة، ومع ذلك بدت لي غامضة على نحو يثير الحيرة. لماذا لا يدخل الطبيب هذا البيت؟ ماذا يوجد في أشعة الشمس حتى تجعله يحجم عن الاقتراب؟ وما الذي قد يحدث له لو تجرّأ ودخل؟ وهل يعرف الأطباء هذا السر الخطير، أم أن بعضهم يغامر أحياناً ويتحدى التعليمات؟
والحقيقة أنني شعرت بشيء من الارتياح لأن بيتنا، والحمد لله، لم يكن من البيوت التي تغمرها الشمس طوال النهار، وكنت مطمئناً إلى أن أي طبيب يزورنا سيغادر سالماً معافى، بعيداً عن الأخطار التي يتعرض لها زملاؤه في البيوت المشمسة.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد صرت أترقب وصول المعلم إلى ذلك الدرس بفارغ الصبر، كنت أريد جواباً يشفي غليل تلك الأسئلة التي أخذت تتكاثر في رأسي الصغير، وأظن أنني لو فكرت يومها في مستقبلي المهني، لوضعت مهنة الطب في مرتبة متأخرة جداً، فالمهنة التي تقود صاحبها إلى الاقتراب من البيوت المشمسة لم تكن تبدو خياراً مطمئناً لطفل في مثل سني.
وجاء اليوم المنتظر أخيراً، جلست في مقعدي أترقب الجواب الذي شغلني أياماً، وما إن بدأ المعلم يشرح المقصود من العبارة حتى أخذت الصورة التي رسمتها في مخيلتي تتداعى بهدوء، تحدث عن فوائد الشمس وأثرها في الصحة والوقاية من الأمراض، وعن البيوت التي تغمرها أشعتها فتقل فيها الحاجة إلى الطبيب، ولم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى اختفى اللغز كله، لم يكن هناك طبيب يهرب من بيت مشمس، ولا سر غامض تتناقله كليات الطب، كان الأمر أبسط بكثير مما تخيلته، شعرت يومها بارتياح؛ لأن اللغز انكشف أخيراً، ومع ذلك بقي في داخلي شيء صغير من خيبة الأمل، فالسر الذي شغلني أياماً طويلة كان أقل إثارة مما توقعت.
انتهت الحكاية يومها أو هكذا ظننت
فبعد سنوات طويلة عادت تلك العبارة إلى ذهني، لكن من زاوية مختلفة تماماً، لم أعد أفكر في الشمس ولا في الطبيب، وإنما في ذلك الطفل الذي كنتُه، عندها أدركت أنني لم أكن أبحث عن معنى العبارة بقدر ما كنت أبحث عن المصيبة المختبئة فيها.
فالأطفال لا يكتشفون العالم بالكلمات وحدها، وإنما بالمشاعر التي ترافقها أيضاً، وما يستقر في نفوسهم من انطباعات يتسلل لاحقاً إلى طريقة فهمهم للأشياء، والطفل الذي يعتاد سماع التحذيرات أكثر من الشروحات، ينصرف ذهنه تلقائياً إلى ما قد يحدث قبل أن ينصرف إلى سبب حدوثه.
وأظن أن كثيرين من أبناء جيلي سيجدون شيئاً من أنفسهم في هذه الحكاية، فقد كبرنا في زمن كانت فيه النصائح الممزوجة بالتحسب أكثر حضوراً من التفسيرات الهادئة، ومع مرور الوقت صار العقل يتوقع المتاعب قبل أن يلتفت إلى التفسير الأبسط، ويفتش عن مصدر القلق قبل أن يلتفت إلى المعنى، ولهذا لم أرَ يومها بيتاً صحياً تغمره الشمس، ورأيت طبيباً يقف عند الباب متردداً في اتخاذ قرار الدخول.
واليوم، كلما تذكرت تلك الحادثة، أبتسم لذلك الطفل الذي أقلقته سلامة الأطباء أكثر مما أقلقته صحته الشخصية، وأدرك أن حكايته لم تكن استثناءً غريباً، وإنما انعكاساً صغيراً لطريقة نظر إلى العالم تشكلت بهدوء عبر سنوات طويلة.
فالحذر نعمة لا غنى عنها، وهو ما يحفظ الإنسان من كثير من العثرات، غير أن الحذر حين يتحول إلى عدسة ننظر من خلالها إلى كل شيء، قد يحجب عنا أبسط المعاني وهي تقف أمامنا في وضح النهار.
وربما لهذا تستحق طريقة تفكير أطفالنا اهتماماً لا يقل عن اهتمامنا بإجاباتهم، فالكلمات التي يسمعونها اليوم تكشف غداً عن العالم الذي صنعناه لهم، وعندما يمتلئ ذلك العالم بالطمأنينة، تعود الشمس إلى مهمتها الأولى: “أن تدخل البيوت حاملةً الضوء، لا الألغاز”.