(لا داعي للقلق وأنت تعيش في عالم أصابه هذيان البقاء بين فتات بقايا البقاء، بمعنى تقلق لتعيش فناء البقاء، وأنت مصدر القلق، ادخل بفكرك فضاء الفناء ستكشف حقيقة بقاءك)، فأيّهما قبل الآخر، أو أيّهما يؤدّي إلى الآخر: أهو الانتماء أم الاحتواء؟
هذا سؤالٌ يراود الكثير، فالحياة ستكون صعبة جداً، وسيشكّل هذا الضّغط رد فعل بالخروج بأيّ طريقة كانت، وهذا يعني أنّ مسألة الاحتواء تؤثّر في مفهوم الانتماء، فنحن هنا نتحدّث عن عمليّة الرّبط بين عنصرَي الانتماء، والاحتواء فقط لا غير.
مثال آخر: لا يمكننا طهي خروف محشي في طنجرة بخار صغيرة لأنّها لن تسعه، فتضطر إلى تقطيعه، أو التّخلّي عن بعضٍ منه، أو تأمين أداة أخرى تسع لذلك الخروف، وإلّا، فلن تحصل على وجبةٍ شهيّة كما تريد، قد يكون المثال غريباً بالنّسبة إلى مفهوم المعادلة، ولكن إذا نظرنا في مفهومها العكسيّ، سنستنتج معنى آخر، إذاً ندخل في تفاصيل شرح المعادلة.
العنصر الأوّل:
ـ القيمة: تُقدّر قيمة الشّيء بمقدار حاجتنا إليه، فالقيمة مرهونة بالنّدرة، والفائدة وفق ما هو معروف، ولكن مفهومنا للقيمة له حديث آخر: فلا شيء في هذا الكون من دون قيمة سواءٌ أكان نادراً، أم متوفّراً ذا فائدة، أو من دونها، فنحن لا نحكم على الأشياء بموجب حاجتنا إليها.
مثال: “قد تحتاج إلى عدد معين من الأشخاص، أو الموظّفين لإنجاز عملٍ ما، علماً أنّ لديك عدد أكثر من ذلك، فهذا لا يعني بالضّرورة الاستغناء عن الباقي بموجب عدم حاجتك إليهم، فيصبحون من دون قيمة”.
فهذا الإنجاز لا يتمثّل في وزن الكتلة البشريّة، بل في حجم ذلك المشروع، والطّاقة اللّازمة لإنجازه، وبالتّالي مستوى القدرة الفكريّة لتحديده، فهذه المقاربات تستوجب إعادة النّظر في مفهوم القيمة بمعناها الجوهريّ. وهنا يجب إعادة النّظر في طريقة الأداء للاستفادة من الكتلة البشريّة الموجودة ليس استناداً إلى حاجتنا فقط.
لذا؛ نحن أمام مفهوم جديد اصطلحنا عليه تسمية: (فلسفة الموقع)، إذ إنّ الحدث، أو اللّحظة، أو الخطوة، أو الفكرة هي التي تحدّد فلسفتك المتمثّلة في طريقة القيام، أو العمل بموجب المعطيات، ومن هنا نستطيع القول: “إنّ كيفية القيام هي فلسفتك بموجب الموقع الذي أنت فيه، وبالتّالي لا يمكن تأطير الفكر في قولبة فلسفة محدّدة، أو جاهزة”.
وعالم التّكنولوجيا شاهد عيان على إثبات صحة هذه الفلسفة، وبرهنتها، فأجهزة التّواصل أصبحت الموقع الرّئيس لمفاصل مسيرتك اليوميّة؛ إذ إنّك تبتسم عبرها، وتحزن، وتستغرب… إلخ. فضلاً عن أنّ موقعك، حتّى المجال المحيط به يحدّدان فلسفتك في هذه الحياة، والتي تتغيّر بتغيّر الموقع، فهذه هي الفلسفة التي نستند إليها، أمّا ما عداها، فهي مجرّد نظريّات معرفيّة صعبة التّطبيق.
والشّيء الوحيد الذي يضبط هذه الفلسفة هو مسألة القيمة بكونها النّاظم المفيد، والموجّه الصّحيّ لتلك الفلسفة، فلا داعي لأِنْ نشغل تفكيرنا بأوجه الاختلاف، بل علينا وهبه تلك الصّلاحية التي تمنحه قدرة التّحرك في فضائه وفق الموقع ملازماً لمفهوم القيمة؛ كي لا ندخل في متاهة فوضى ذلك الاختلاف، بمعنى أنّ فلسفة الموقع هي القيمة التي تمنحها لذاتك ومحيطك بالمعرفة، أو الاختصاص المتمكن فيه ضمن ذلك الموقع.
ومن دواعي الضّرورة الانتباه لذلك؛ لأنّك لن تستطيع تأطير مجتمع في بوتقة مفهوم واحد، علماً أنّ لكلّ موقع فلسفته الخاصّة، وينطبق الأمر نفسه على الشّخص الواحد في مراحل انتقاله اليوميّ بين العمل، والأسرة، والعلاقات… إلخ.