الشراكة الحقيقية، والاعتراف بحقوق الآخرين، وتحقيق العدالة والمساواة، أساس بناء الدول الديمقراطية الحديثة، ومدى قدرتها في تحويل بنود الدستور، إلى وقائع على الأرض، في التحول من مجتمع مفكك تنتشر فيه ثقافة الكراهية والتحريض، الى ثقافة قبول الآخر له ما له، وعليه ما عليه، يعيش في الدولة مؤسساتية يحكمها العقل والنظام والديمقراطية، وحل معضلات الشرق الأوسط، تكمن في نشر الفكر الحر، والعيش المشترك، وبناء الإنسان الواعي المثقف، ومن ثم بناء مؤسسات مهمتها تقديم الخدمات، ونشر الفكر الديمقراطي بين الشعوب.
ومن الأسباب الرئيسية للحروب والتحديات التي تواجه دول الشرق الأوسط، الفكر المركزي الأحادي، الذي يحاول دائماً إشغال الشعوب بقضايا خارجية، للبقاء لفتراتٍ طويلة على كرسي الحكم، وشاهدنا ما حدث في العديد من دول الشرق الأوسط، وخاصةً العربية منها، تونس وليبيا ومصر وسوريا وقبلها العراق، واليوم الحرب بين أمريكا وإيران، ورغم ذلك لم يدرك الحكام حتى اليوم، ما الأسباب الحقيقة وراء كل ما حدث ويحدث، ولا زالوا ينتهجون السياسة ذاتها في التعامل مع شعوبهم.
المشكلة الحقيقية في دول الشرق الأوسط، أنها دائماً تعرّف المواطنة وفق معايرها، ومقاساتها، كي تتحكم بالشعوب ومصائرها، ولكن أساس بناء أي دولة حديثة ديمقراطية، هي التشاركية والحقوق المتساوية، وحرية الفكر، وتغيير الخطاب إلى خطاب شامل وواعي، للتقدم في جميع المجالات، وعندها يدرك المجتمع بأنه شريك في الدولة، ما يزيد انتماءه، فيعمل بكل طاقاته من أجل رفعة وسمو بلده، ويعمل المستحيل من أجل خدمته، وخدمة شعبه.
وأيضاً هناك مشكلة حقيقية، تساهم في مركزية الدولة، هي الولاءات العمياء للسلطة، أما من أجل منصب ما، أو مقابل المال، وهؤلاء يدافعون عن الحكم ليس من أجل الحكام، بل من أجل المصالح، وهي الأهم بالنسبة لهم، فتحقيق العدالة والمساواة والديمقراطية، لا تهمهم بقدر ما تهمهم جيوبهم ووظائفهم وتطلعاتهم الفردية. لذا، على الشعوب، أن يعملوا من أجل تحقيق الديمقراطية، وإعادة بناء الانسان، لأنها تقوم على المساواة واحترام الاختلاف والتعددية. نجاح الأنظمة في الشرق الأوسط، يرتبط بمدى نجاحها في موائمتها مع المجتمع، ومع تأمين متطلباتهم، وقدرتها على التقدم والازدهار، وتقديم أفضل الخدمات لشعوبها، وبناء أي مجتمع قوي متماسك يعتمد على توفير الحرية والديمقراطية، ومشاركة الكل في تقرير ما هو مناسب لكل دولة على حدة، والأنظمة التعددية، واللامركزية، والفيدرالية، أثبتت نجاحها، وما حصل فيها من تقدم كانت نتيجة تعامل حكوماتها، مع قضايا شعوبهم بحرفية وعقلانية، وإشراكهم في تحديد مصيرهم.
إذاً، على حكومات دول المنطقة والشرق الأوسط، معرفة أن أي تحوّل سياسي، يستوجب وجود تحول ثقافي وفكري واجتماعي، وهذا يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين الدول وشعوبها. لذا، على السلطات في بلدان الشرق الأوسط، الاعتماد على بناء الإنسان أولاً، وتغيير أفكاره نحو ثقافة قبول الآخر، بما يحقق الديمقراطية والعدالة والمشاركة في بناء الوطن، وهذه شروط أساسية يجب أن تترسخ في سلوك مجتمعات الشرق الأوسط، بما يؤدي إلى الاستقرار والأمان والتقدم وتحقيق الحياة الحرة الكريمة للجميع.