بعد التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوسائل إعلام أمريكية بشأن احتمال تدخّل سوري في لبنان لمواجهة حزب الله، والتي أثارت ردود فعل متباينة على المستويات الرسمية والشعبية في سوريا ولبنان وإسرائيل، تتجه الأنظار حالياً نحو طبيعة هذا التدخّل وحدوده وإمكانية تحوله إلى واقع. وكان ترامب قد قال: “أحمد الشرع سيكون أكثر دقة من الإسرائيليين في التعامل مع حزب الله، وأنا أعلم أنه يرغب في القيام بذلك”.
الجميع يُدرك أن الحكومة السورية الحالية ليست في موقع يسمح لها بخوض مغامرة من هذا النوع، لا سيما أن نتائجها تبقى غير محسومة وقد تفضي إلى تداعيات داخلية وإقليمية معقدة. فدمشق ما تزال تواجه تحديات كبيرة على الصعيدين الأمني والسياسي، بالتزامن مع التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة. كما إن الخوض في مواجهة مفتوحة مع حزب الله من شأنه أن يضع البلاد أمام استحقاقات ثقيلة وكلفة باهظة، في وقتٍ لا تزال فيه سوريا تسعى إلى تجاوز آثار سنوات طويلة من الحرب والصراع.
أما لبنان، فقد قوبلت هذه التصريحات بحالة من الاستياء والقلق في الأوساط السياسية والاجتماعية، حيث رأى فيها البعض مؤشراً إلى توجهات أمريكية قد تدفع البلاد إلى قلب صراع إقليمي جديد. ويعتقد مراقبون أن أي مواجهة من هذا النوع قد تعمّق الانقسامات السياسية والطائفية القائمة، وتعيد إنتاج مشاهد عدم الاستقرار التي عانى منها لبنان خلال عقود مضت. كما تستحضر هذه المخاوف ذكريات الحرب الأهلية اللبنانية التي امتدت بين عامي 1975 و1990، والتي مثّلت واحدة من أكثر مراحل تاريخ البلاد دموية وتعقيداً، وأسفرت عن خسائرٍ بشريةٍ ومادية هائلة.
أما إسرائيل، التي تابعت تصريحات ترامب باهتمام، فتبدو هي الأخرى أمام جملة من التساؤلات المرتبطة بتداعيات أي تدخل سوري محتمل في الساحة اللبنانية، وقد نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصادر لم تسمّها أن مثل هذا السيناريو قد يؤدي إلى مزيد من تعقيد المشهد القائم، ويفتح الباب أمام مواجهات يصعب احتواء تداعياتها، ووصفت بعض التقديرات هذا الطرح بأنه أشبه بـ “إلقاء عود ثقاب في برميل بارود”، في إشارة إلى حساسية التوازنات القائمة في لبنان والمنطقة.
وفي ظل هذه المعطيات، تتجه الأنظار اليوم إلى مآلات هذا الطرح أكثر من تفاصيله، وإلى ما إذا كان يندرج في إطار الرسائل السياسية والضغوط الدبلوماسية، أم أنه يعكس توجهاً يجري العمل عليه خلف الكواليس، وبينما تبدو غالبية الأطراف المعنية متحفظة تجاه هذا السيناريو، يرى مراقبون أن تصريحات ترامب قد تُفهم على أنها محاولة لمنح دمشق غطاءً سياسياً أو ضوءاً أخضر للتحرك ضد حزب الله في حال توافرت الظروف المناسبة لذلك.
وفي جميع الأحوال، فإن أي مواجهة من هذا النوع لن تكون حدثاً عابراً أو محدود التأثير، بل محطة مفصلية قد تعيد رسم الكثير من معادلات المنطقة. فالحرب، إن اندلعت، لن تقتصر تداعياتها على سوريا ولبنان فحسب، بل ستنعكس على مجمل المشهد الإقليمي، في وقتٍ لم تتعافَ فيه شعوب البلدين بعد من آثار الحروب والأزمات التي أنهكتها على مدى سنوات طويلة.