مركز الأخبار – تشهد النساء في أفغانستان تصعيداً غير مسبوق في الانتهاكات منذ عودة طالبان إلى السلطة، مع استمرار الاعتقالات والاختفاء القسري والزواج بالإكراه وحرمان الفتيات من التعليم، وسط تحذيرات حقوقية من تفاقم الأزمة الإنسانية والنفسية في ظل غياب أي ضمانات لحماية حقوق المرأة.
تواصل أوضاع النساء في أفغانستان التدهور بصورة متسارعة في ظل السياسات التي تنتهجها حركة طالبان منذ عودتها إلى الحكم في آب 2021، حيث تتسع دائرة القيود المفروضة على النساء لتشمل التعليم والعمل والتنقل والمشاركة في الحياة العامة، بالتزامن مع تصاعد التقارير التي توثق حالات الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والزواج بالإكراه، فضلاً عن تنامي المخاوف من تعرض النساء للعنف والانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز. وتعكس الوقائع التي شهدتها عدة ولايات أفغانية خلال الأسابيع الماضية حجم التحديات التي تواجهها النساء، في وقت تتواصل فيه مطالبات المنظمات الحقوقية والمجتمع الدولي بوقف هذه الانتهاكات وضمان احترام الحقوق الأساسية للمرأة، وعلى رأسها الحق في التعليم والعمل والأمن الشخصي.
اعتقالات تثير المخاوف
أثارت قضية المدونة الأفغانية وبائعة الكتب عبر الإنترنت “خاطرة جامي” موجة واسعة من القلق، بعد اختفائها منذ اعتقالها في ولاية هرات قبل نحو أسبوع، دون إعلان رسمي عن مكان احتجازها أو وضعها الصحي.
وحسب مصادر محلية، توقفت أنشطة خاطرة الرقمية عقب اعتقالها، كما حُذفت صورها ومقاطع الفيديو المنشورة على حسابها في منصة “إنستغرام”، وانقطع التواصل مع متابعيها الذين يقدر عددهم بنحو 90 ألف شخص.
وكانت خاطرة قد ألمحت قبل توقيفها إلى احتمال توقفها عن النشر نتيجة الاستدعاءات والتهديدات التي تعرضت لها بسبب نشاطها الإلكتروني. وبعد منع النساء من الدراسة الجامعية، اتجهت إلى بيع الكتب عبر الإنترنت، قبل أن تؤسس مشروعاً ثقافياً حمل اسم “المقهى الأسود”، ليكون مساحة مخصصة للنساء للقراءة والدراسة، إلا أن طالبان أغلقت المشروع لاحقاً قبل اعتقالها.
ولا تعد هذه القضية حالة منفردة، إذ تشير تقارير متعددة إلى تزايد حالات احتجاز النساء بتهمة مخالفة قواعد اللباس أو بسبب نشاطهن الاجتماعي والإعلامي، في ظل غياب معلومات رسمية عن أوضاع العديد منهن بعد الاعتقال.
زواج تحت الإكراه
إلى جانب الاعتقالات، تتزايد الشهادات التي تتحدث عن تعرض نساء وفتيات لضغوط وتهديدات لإجبارهن على الزواج من عناصر في حركة طالبان، خاصة المتعلمات والعاملات في القطاعات الصحية والتعليمية. ومن أبرز القضايا التي وثقتها وسائل إعلام محلية، قضية الشابة عابدة من ولاية غور، التي أقدمت على إحراق نفسها عام 2025 هرباً من زواج قسري من شقيق أحد قادة طالبان، قبل أن تفارق الحياة متأثرة بإصابتها. كما برزت شهادة إلهة دلاور زاده، طالبة الطب والناشطة في الاحتجاجات النسائية، التي تحدثت في تسجيل مصور عن تعرضها للاغتصاب والإجبار على الزواج أثناء احتجازها، قبل أن تتمكن لاحقاً من مغادرة أفغانستان والوصول إلى إحدى الدول الأوروبية.
وفي ولاية بادغيس، ما تزال الشابة “بي بي صديقة” محتجزة منذ أكثر من عامين بعد رفضها الزواج من أحد عناصر طالبان البالغ من العمر سبعين عاماً، بينما وثقت تقارير محلية مقتل “جيمن حسين زاده” وابنتها “سارة يوسفي” بعد رفض طلب زواج تقدم به أحد مسؤولي طالبان.
كما أُثيرت شكوك واسعة حول مقتل الطبيبة غلالي في ولاية ننغرهار، بعدما أفاد مقربون منها بأنها كانت تتعرض لضغوط متكررة للزواج من أحد عناصر الحركة قبل أيام من مقتلها، في حين وصفت طالبان الحادثة بأنها جريمة جنائية غامضة.
وأكدت طبيبتان، أجرت معهما وكالة أنباء المرأة مقابلات منفصلة، أن العاملات في القطاع الصحي يتعرضن لضغوط متكررة للقبول بالزواج من عناصر الحركة، مشيرتين إلى أن بعض العائلات وافقت تحت التهديد حفاظاً على سلامة أفرادها.
تعليم تحت الحصار
كما لا تزال القيود المفروضة على تعليم الفتيات تمثل إحدى أبرز القضايا الحقوقية في أفغانستان، إذ يستمر منع الطالبات من الالتحاق بالمدارس بعد الصف السادس، إضافةً إلى القيود المفروضة على التعليم الجامعي وعدد من التخصصات.
وفي هذا الإطار، جدد مرصد حقوق الإنسان في أفغانستان دعوته للمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية إلى اتخاذ خطوات عملية تضمن استعادة الفتيات حقهن في التعليم، مؤكداً أن التعليم حق أساسي لا يجوز حرمان أي فتاة منه تحت أي ظرف.
وأوضح المرصد، في بيان نشره عبر منصة “إكس”، أن آلاف الفتيات ما زلن محرومات من الدراسة رغم مرور سنوات على إغلاق المدارس أمامهن، داعياً إلى استمرار الدعم الدولي للنساء والفتيات في أفغانستان، والعمل على إنهاء القيود المفروضة على المؤسسات التعليمية. كما أكد المرصد أن حرمان الفتيات من التعليم يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الأساسية، ويؤثر بصورة مباشرة في مستقبل أجيال كاملة، مشدداً على ضرورة عدم إخضاع هذا الحق للقرارات السياسية أو التوجهات الأيديولوجية.
وفي السياق ذاته، تشير تقارير حقوقية إلى أن حملات الاعتقال التي تنفذها طالبان بذريعة مخالفة قواعد اللباس دفعت كثيراً من الأسر إلى منع بناتها من مغادرة المنازل، الأمر الذي انعكس سلباً على التحصيل الدراسي والصحة النفسية والاندماج الاجتماعي. أيضاً تسببت القيود المفروضة على حركة النساء في تراجع النشاط التجاري داخل أسواق مدينة هرات، بعدما انخفضت أعداد المتسوقات بصورة ملحوظة، وهو ما أثر على قطاعات التجارة والخياطة والنقل والخدمات، وفق إفادات أصحاب محال وسائقين محليين.
ويرى ناشطون في مجال حقوق الإنسان أن هذه الإجراءات لا تقتصر آثارها على النساء وحدهن، بل تمتد إلى الاقتصاد والمجتمع بأكمله، في ظل استمرار استبعاد نصف المجتمع من التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة.
وتؤكد هذه الأفعال أن النساء الأفغانيات يواجهن واقعاً معقداً يجمع بين القيود القانونية والضغوط الاجتماعية والانتهاكات الأمنية، في وقت تتواصل فيه الدعوات الدولية لوقف الممارسات التي تستهدف حقوق المرأة وضمان التزام السلطات الأفغانية بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، بما يكفل للنساء والفتيات حقهن في الحياة الآمنة والتعليم والعمل والمشاركة الكاملة في المجتمع.