كرديار دريعي
تُعدُّ حرية الرأي والتعبير من أهم القيم التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية، كما إن المعارضة السياسية حق طبيعي وضرورة لا غنى عنها لتصويب الأخطاء ومساءلة السلطات وتطوير التجارب. فلا توجد تجربة سياسية كاملة أو معصومة من النقد، ولا يمكن لأي مشروع وطني أن يتطور إذا أغلق الباب أمام المراجعة والمحاسبة. غير إن الإشكالية تبدأ عندما تتحول حرية التعبير إلى غطاءٍ لخطاب لا يسعى إلى الإصلاح، بل إلى هدم كل ما تحقق، وعندما تصبح المعارضة مشروعًا دائمًا لنفي كل إنجاز وتشويه كل تضحية، بدل أن تكون وسيلة لتقويم المسار وتعزيز عناصر القوة. إن الفارق بين المعارضة الوطنية والهدم المنهجي واضح، فالمعارضة الوطنية تنتقد السياسات والقرارات وتقدم البدائل، لكنها لا تتنكر لتضحيات أبناء شعبها، ولا تحول الخلاف السياسي إلى معركة ضد الذاكرة الوطنية أو ضد كل ما تحقق من منجزات، أما عندما يصبح الخطاب قائمًا على إنكار كل الإنجازات، والطعن في كل التضحيات، وتصوير كل المؤسسات الوطنية بوصفها أدوات للمؤامرة، فإنه يتجاوز حدود المعارضة التقليدية إلى خطاب يفضي عمليًا إلى تقويض المشروع الذي يدّعي نقده، وتبرز هذه الإشكالية بوضوحٍ في النقاش حول تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، فمن حق أي طرف أن ينتقد أداء الإدارة الذاتية أو قوات سوريا الديمقراطية أو أي مؤسسة سياسية أو عسكرية، وأن يطالب بالإصلاح والشفافية والمحاسبة. لكن من غير المُنصف، اختزال سنوات من العمل السياسي والعسكري والإداري في صورة الفشل المطلق أو المؤامرة الدائمة أو التناغم مع أعداء الشعب الكردي وتسهيل مهامهم التدميرية، وفي هذا السياق، لا يعد الخلاف مقتصراً على تقييم تجربة الإدارة الذاتية، بل يمتد إلى طبيعة العلاقات التي تقيمها بعض القوى السياسية الكردية مع الأطراف الإقليمية والسورية، حيث تتقاطع مواقفهم مع سياسات كل من تركيا ودمشق تجاه الإدارة الذاتية، وهناك مؤشرات كثيرة على هذا التقاطع فقد تزايدت المؤشرات مؤخراً حول سعي أنقرة لدمج الكرد (عبر تعزيز دور المجلس الوطني الكردي المدعوم منها) في المؤسسات الوطنية تحت إدارة الحكومة السورية المؤقتة؛ لتقويض نموذج “الإدارة الذاتية” ذي الصبغة المستقلة، وانطلاقًا من هذا التقييم، فإن الصراع لم يعد يدور حول إصلاح الإدارة الذاتية أو تطويرها، بل حول مستقبلها ووجودها من الأساس، ومن هذا المنظور، تُفسَّر حملات التشكيك المستمرة في شرعية مؤسسات الإدارة الذاتية، والطعن في قوات سوريا الديمقراطية، وإنكار أو التقليل من تضحيات الشهداء، على أنها جزء من مشروع سياسي يهدف إلى إنهاء تجربة الإدارة الذاتية، لا إلى تصويب مسارها وبمساهمة ومشاركة مباشرة من هذه القوى التي تدّعي الكردايتية، غير إنها حقيقة تعمل على تدمير الكردايتية باسم الكردايتية.. إن حرية التعبير لا تمنح أي خطاب حصانة من النقد، كما أن رفع شعار المعارضة لا يجعل كل موقف يصب تلقائيًا في خدمة المصلحة الوطنية، فالحرية تقترن بالمسؤولية، وتقييم الخطاب السياسي لا يعتمد فقط على النوايا المعلنة، بل أيضًا على نتائجه العملية وآثاره على وحدة المجتمع ومستقبل قضاياه. إن القضية الكردية اليوم تحتاج إلى مراجعة مسؤولة، وإلى ثقافة سياسية توازن بين المحاسبة وحماية المنجزات، وبين النقد وصون الذاكرة الوطنية، فالشعوب التي دفعت أثمانًا باهظة من أجل حقوقها لا تبني مستقبلها بإنكار تضحياتها أو هدم مؤسساتها، وإنما ببناء حوار سياسي مسؤول يحافظ على المكتسبات، ويعالج الأخطاء، ويعزز وحدة الصف في مواجهة التحديات، وهنا يجب على شعبنا أن يدرك حجم ما يحاك ضد مكتسباته بأيادي كردية وللمصالح الإقليمية دون وازع من ضمير، ويزينون هذه المؤامرات بشعاراتٍ قومية فضفاضة بعيدة كل البعد عن حقيقة النوايا التدميرية.