خلف غياهب الأزمات المتراكمة التي تعصف بالبلاد، يبرز مؤشر آخر أشد قتامة يعكس حجم التآكل النفسي والروحي الذي يرزح تحته السوريون. فالموت لم يعد مجرد قذيفة طائشة أو رصاصة غدر، بل بات يأت بقرار ذاتي فاجع ينهي رحلة العذاب اليومي؛ حيث وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان، انتحار 38 شخصاً منذ مطلع العام الجاري، في صرخة صامتة تعلن وصول طاقة التحمل البشري إلى نهايتها المطلقة.
وهذه الأرقام الموثقة حسب “المرصد السوري لحقوق الإنسان” ليست مجرد إحصائيات باردة، بل هي حكايات مأساوية لأرواح ضاقت بها سبل العيش في بيئات مغلقة تفتقر لأبنى مقومات الدعم المعنوي والاجتماعي.
فعند النظر إلى الهوية الديمغرافية لمن اختاروا الرحيل الطوعي، نجد أن الرجال يتربعون على عرش هذه القائمة المؤلمة بواقع 26 رجلاً، ولعل هذه النسبة المرتفعة لما يشعر به من ثقل المسؤولية المعيشية؛ فالرجل في هذه المجتمعات يواجه يومياً عجزاً خانقاً عن تأمين لقمة العيش لعائلته في ظل فقر مدقع وبطالة، مما يولد شعوراً بالهزيمة النفسية التي تنتهي بقرار إنهاء الحياة.
أما المأساة الأعمق، فتتمثل في تسلل اليأس إلى قلوب الأطفال؛ حيث سُجل انتحار خمسة أطفال، كما إن إقدام طفل على الانتحار هو مؤشر خطير على غياب الأمان الأسري، وانتشار اضطرابات في بيئة لم تعد تمنح الصغار مساحة للحلم أو حتى الطمأنينة. كما لم تكن النساء بمنأى عن هذا النزيف، إذ وثق انتحار سبعة نساء عانين على الأرجح من ضغوط اجتماعية ونفسية مركبة في مجتمعات محلية مثقلة بالقيود والأزمات.
جرس إنذار موجه للجهات المعنية
ولعل من أبرز الأسباب التي تدفع السوريين إلى الانتحار على مختلف الجغرافية السورية أغلبها الفقر الممنهج والنزوح، والعيش في بيئات مؤقتة كالمخيمات لسنوات طويلة يجرد الإنسان من كرامته واستقراره، كما أن التفكك الأسري والضغوط المجتمعي، حيث ولدت الحرب أشكالاً جديدة من التوتر الداخلي في العائلات، ما جعل البيئات المنزلية أحياناً مصدراً إضافياً للضغط بدلاً من أن تكون ملاذاً آمناً.
وعليه؛ فإن انتحار 38 سوريّاً في غضون أشهر معدودة هو جرس إنذار أخير موجه للجهات المعنية، وإن إنقاذ هؤلاء يتطلب بناء جدار حماية نفسي واقتصادي حقيقي، وإعادة الأمل لبيئات طحنها اليأس، وإلا فإن طابور الهاربين من الحياة إلى الموت سيظل يطول بصمت وخلف الستار.