لم يكن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في الثامن من تموز 2026، عزمه رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب مجرد خطوة قانونية أو اقتصادية تهدف إلى إنهاء واحدة من أطول العقوبات السياسية المفروضة على دمشق منذ عام 1979، بل جاء في توقيت إقليمي شديد الحساسية، يتزامن مع تحولات متسارعة في لبنان وسوريا، ومع مساعٍ أمريكية لإعادة رسم موازين القوى في المشرق بعد الحرب على إيران التي اندلعت مطلع عام 2026.
فالرسالة التي بعث بها ترامب إلى رئيس الحكومة السورية المؤقتة أحمد الشرع، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة يوم الثامن من تموز الجاري، تضمنت وعوداً غير مسبوقة بإزالة “جميع الحواجز” أمام إعادة إعمار سوريا، وإتاحة المجال أمام الشركات الأمريكية للاستثمار داخل البلاد، إضافة إلى إبلاغ الكونغرس ببدء إجراءات رفع اسم سوريا من قائمة الإرهاب، وهي عملية تستغرق قانونياً 45 يوماً قبل دخول القرار حيز التنفيذ. لكن؛ هذا الإعلان تزامن أيضاً مع تصاعد حديث داخل الأوساط الأمريكية عن ضرورة توظيف الحكومة السورية الجديدة في ترتيبات الأمن الإقليمي، وعلى رأسها ملف سلاح حزب الله في لبنان. ومع أن واشنطن لم تعلن رسمياً وجود اتفاق من هذا النوع، فإن تزامن التطورين فتح الباب أمام تساؤلات واسعة: هل يشكل رفع العقوبات حافزاً سياسياً مقابل دور أمني جديد لدمشق؟ وهل يمكن أن تتحول سوريا من دولة خرجت لتوها من حرب استمرت أكثر من ثلاثة عشر عاماً إلى طرف في مواجهة جديدة مع أحد أقوى الفاعلين العسكريين في المنطقة؟
هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة لأن الحكومة السورية الحالية تحاول منذ سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول 2024 تقديم نفسها باعتبارها حكومة انتقالية تسعى إلى إعادة الاستقرار، بينما تبدو واشنطن أكثر ميلاً إلى ربط الانفتاح السياسي والاقتصادي على دمشق بمدى استعدادها للانخراط في أولويات الأمن الإقليمي الأمريكي.
الضغوط.. إعادة تأهيل مقابل أدوار أمنية
منذ تسلم رئيس الحكومة السورية المؤقتة أحمد الشرع السلطة في 29 كانون الثاني 2025، ركزت الإدارة السلطة الجديدة خطابها على إعادة بناء المؤسسات، واستعادة العلاقات الدولية، وجذب الاستثمارات، وإنهاء عزلة سوريا السياسية.
غير أن الولايات المتحدة، التي بدأت تدريجياً بتخفيف بعض القيود الاقتصادية، لم تُظهر استعداداً لتقديم هذا الانفتاح بصورة مجانية، بل ربطته بسلسلة من الملفات الأمنية والسياسية، من بينها مكافحة داعش، وضبط الحدود، وتقليص النفوذ الإيراني، وصولاً إلى مستقبل حزب الله في لبنان.
وفي هذا السياق، يبدو إعلان ترامب بشأن إزالة اسم سوريا من قائمة الإرهاب جزءاً من سياسة تقوم على تقديم حوافز كبيرة مقابل إعادة تموضع دمشق ضمن المنظومة الإقليمية الجديدة التي تعمل واشنطن على بنائها. فرفع اسم سوريا من قائمة الإرهاب لا يعني فقط إنهاء وصمة سياسية استمرت قرابة 47 عاماً، بل يفتح الباب أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية، وعودة المصارف العالمية، والحصول على التمويل الدولي، واستيراد التكنولوجيا، وإعادة دمج الاقتصاد السوري بالنظام المالي العالمي. لكن؛ هذه المكاسب، بحسب العديد من المراقبين، قد تكون مرتبطة أيضاً بتوقعات أمريكية بأن تلعب دمشق دوراً أكثر فاعلية في مواجهة القوى المسلحة المرتبطة بإيران، وفي مقدمتها حزب الله.
لماذا حزب الله تحديداً؟
تعدُّ الولايات المتحدة أن حزب الله لا يزال يمثل أحد أبرز أدوات النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وأن أي إعادة ترتيب للمنطقة بعد الحرب الأخيرة لن تكون مكتملة دون تقليص قدراته العسكرية.
ومن هنا برزت داخل بعض الدوائر الأمريكية فكرة الاستفادة من التحولات التي شهدتها سوريا بعد عام 2024، باعتبار أن القيادة الجديدة لا ترتبط بعلاقات سياسية أو عسكرية مع الحزب، بل إن جزءاً من القوى العسكرية الموجودة ضمن المؤسسة الأمنية الجديدة خاض مواجهات مباشرة ضد حزب الله خلال سنوات الأزمة السورية.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن الجيش السوري الجديد، بحكم معرفته بالجغرافيا الحدودية، قد يكون أكثر قدرة على تنفيذ عمليات أمنية أو عسكرية في المناطق المتاخمة للبنان مقارنة بأي تدخل إسرائيلي مباشر قد يؤدي إلى تصعيد إقليمي واسع. كما أن الاعتماد على دمشق ينسجم مع توجه أمريكي أوسع يقوم على تقليل التدخل العسكري المباشر، وإسناد المهام الأمنية إلى شركاء محليين وإقليميين، بما يخفف الكلفة السياسية والعسكرية على واشنطن. غير أن هذه الرؤية تتجاهل حقيقة أن أي مواجهة مع حزب الله لن تكون مجرد عملية أمنية محدودة، بل قد تتحول بسرعة إلى حرب إقليمية تتداخل فيها حسابات إيران ولبنان وسوريا وإسرائيل. لكن؛ بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً من الحرب، تبدو سوريا واحدة من أكثر دول المنطقة إنهاكاً على المستويات العسكرية والاقتصادية والاجتماعية. فالبنية التحتية تعرضت لدمار واسع، والاقتصاد لا يزال يعاني من آثار العقوبات والانهيار المالي، بينما تواجه المؤسسات العسكرية تحديات كبيرة تتعلق بإعادة الهيكلة والتدريب والتسليح. كما لا تزال البلاد تواجه تهديدات أمنية داخلية متعددة، من بينها نشاط خلايا داعش في البادية السورية وشرق البلاد، إضافة إلى استمرار وجود قوات أجنبية ومناطق خارجة عن السيطرة الكاملة للدولة.
وفي ظل هذه الظروف، يشكك كثير من الخبراء في قدرة الجيش السوري الحالي على تنفيذ عمليات عسكرية خارج الحدود، خصوصاً ضد داعش الذي يمتلك خبرة قتالية كبيرة مثل حزب الله، الذي راكم خبراته العسكرية منذ ثمانينات القرن الماضي، وخاض حروباً متعددة ضد إسرائيل، إضافة إلى مشاركته في الحرب السورية بين عامي 2012 و2024. كما أن أي حرب من هذا النوع ستفرض أعباءً مالية وعسكرية ضخمة على دمشق، في وقت تحتاج فيه الحكومة إلى توجيه مواردها المحدودة نحو إعادة الإعمار، وتحسين الخدمات، وإعادة الاستقرار للمناطق المتضررة.
أحمد الشرع… سياسة الابتعاد عن الحروب
منذ وصوله إلى السلطة، حرص أحمد الشرع على تقديم خطاب يقوم على الانفتاح السياسي، وإعادة العلاقات مع الدول العربية والغربية، وتجنب الانخراط في الصراعات الإقليمية. ففي معظم خطاباته منذ عام 2025، ركز الشرع على أن أولوية حكومته هي إعادة بناء سوريا، وإنهاء آثار الحرب، واستعادة الاقتصاد، وليس الدخول في مواجهات عسكرية جديدة. كما أن الحكومة السورية المؤقتة حاولت تجنب التصعيد حتى خلال الحرب الإسرائيلية الإيرانية التي شهدها عام 2026، وابتعدت عن أي اصطفاف عسكري مباشر، رغم الضغوط التي مارستها أطراف إقليمية مختلفة.
ويعكس هذا السلوك إدراكاً لدى دمشق بأن أي تورط في نزاع جديد قد ينسف ما تحقق من انفتاح دبلوماسي خلال العامين الماضيين، ويؤخر إعادة الإعمار لسنوات إضافية. لذلك؛ يرى مراقبون أن القيادة السورية تدرك أن الدخول في مواجهة مع حزب الله قد يحقق مكاسب سياسية قصيرة الأمد مع واشنطن، لكنه في المقابل قد يفتح الباب أمام ردود فعل إيرانية، وتصعيد داخل الأراضي السورية، وعودة البلاد إلى دائرة الصراعات التي تحاول الخروج منها منذ سقوط النظام السابق.
إذا تحولت الضغوط الأمريكية إلى مطالب عملية بمشاركة دمشق في مواجهة حزب الله، فإن سوريا ستجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد. فرفض المشاركة قد يبطئ مسار رفع العقوبات والانفتاح الاقتصادي، بينما قد يؤدي القبول إلى إدخال البلاد في مواجهة عسكرية غير مضمونة النتائج. كما أن أي صدام مع الحزب قد ينعكس مباشرة على الداخل السوري، سواء عبر استهداف مناطق حدودية، أو عودة نشاط المجموعات المسلحة المرتبطة بمحور إيران، أو تعقيد العلاقات مع لبنان، الذي لا يزال يمثل المنفذ التجاري الأهم لسوريا نحو البحر المتوسط.
ولا يمكن إغفال أن حزب الله يمتلك شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية، وأن أي حرب معه لن تبقى محصورة داخل الحدود اللبنانية، بل قد تمتد إلى سوريا والعراق وربما مناطق أخرى، بما يعيد إشعال جبهات كانت تتجه تدريجياً نحو التهدئة.
وفي الوقت نفسه، فإن المجتمع السوري، الذي أنهكته سنوات الحرب والنزوح والأزمات الاقتصادية، لا يبدو مستعداً لتحمل كلفة نزاع جديد، في وقت ما تزال فيه ملايين الأسر تنتظر تحسن الظروف المعيشية وبدء مشاريع إعادة الإعمار.
بين الإغراء الأمريكي وحسابات البقاء
تبدو دمشق اليوم أمام اختبار سياسي هو الأصعب منذ تشكيل الحكومة المؤقتة، فمن جهة، يمثل قرار ترامب المحتمل برفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب تحولاً تاريخياً قد يفتح الباب أمام استثمارات بمليارات الدولارات، ويعيد دمج البلاد في الاقتصاد العالمي بعد عقود من العزلة والعقوبات. ومن جهة أخرى، فإن تزامن هذا القرار مع تصاعد الحديث في واشنطن عن ضرورة إشراك سوريا في مواجهة حزب الله يثير تساؤلات حول طبيعة المقابل السياسي والأمني المطلوب من الحكومة السورية المؤقتة.
ورغم أن أي اتفاق معلن بهذا الشأن لم يصدر حتى الآن، فإن القراءة السياسية تشير إلى أن الولايات المتحدة تنظر إلى سوريا الجديدة بوصفها جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع؛ تهدف إلى إعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط، وتقليص نفوذ إيران وحلفائها.
غير أن الوقائع على الأرض توحي بأن دمشق ليست في موقع يسمح لها بخوض حرب جديدة. فالدولة لا تزال تعيد بناء مؤسساتها، والجيش يركز على تثبيت الأمن الداخلي، والاقتصاد يحتاج إلى سنوات طويلة للتعافي، فيما يواصل أحمد الشرع إرسال رسائل تؤكد أن أولويته هي السلام والاستقرار، وليس فتح جبهات جديدة.
وفي ضوء ذلك، يبدو أن الرهان الأمريكي على تحويل سوريا إلى طرف في مواجهة مباشرة مع حزب الله يصطدم بحقائق الجغرافيا والسياسة والاقتصاد. فحتى لو أغرت وعود رفع العقوبات والانفتاح الدولي السلطة السورية، فإن كلفة الحرب قد تكون أعلى بكثير من أي مكاسب اقتصادية أو دبلوماسية. ولهذا، قد يكون السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار دمشق في سياسة الموازنة بين الاستفادة من الانفتاح الأمريكي، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية قد تعيد البلاد إلى نقطة الصفر، في وقت يحتاج فيه السوريون إلى الاستقرار أكثر من حاجتهم إلى أي انتصار عسكري جديد.