لقد جاء الإسلام بما فيه صلاح الفرد والمجتمع، فهو دينٌ يجمع محاسن الأخلاق، ويدعو إلى كل ما يرفع شأن الإنسان ويُصلح حياته، فما من خصلةٍ من خصال الخير إلا أمر بها وحثَّ عليها ورغَّب فيها، وما من خصلةٍ من خصال الشر إلا نهى عنها وحذَّر منها، وبيَّن سوء عاقبتها في الدنيا والآخرة. ومن أعظم الصفات التي حذَّر منها الإسلام، وأشدِّها خطرًا على الفرد والمجتمع: النفاق؛ ذلك الداء الخفي الذي يفسد القلوب، ويهدم الثقة، ويُضعف المجتمعات من داخلها. والنفاق في أعظم صوره هو أن يُظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويُبطن الكفر في قلبه، فيكون ظاهره مخالفًا لباطنه، ولسانه على غير ما يعتقده قلبه.
إن النفاق خُلُقٌ ذميم، ومرضٌ خطير، لأنه يقوم على الخداع والتلون، فيُظهر الإنسان الخير والصلاح، بينما يُخفي في داخله ما يناقض ذلك من الشر والفساد، ولذلك كان خطره عظيمًا؛ لأن صاحبه لا يأتي من باب العداوة الظاهرة، بل يدخل بثوب الصديق، ويتحدث بلسان الناصح، وقد يُظهر الحرص على الإصلاح وهو يسعى في الإفساد.
والمنافقون في المجتمعات كمرضٍ خفيٍّ يسري في الجسد؛ قد لا يُرى أثره في البداية، لكنه ينهش قوته من الداخل، فتظهر آثارهم في إشعال الفتن، وتمزيق الصفوف، ونشر الشائعات، وإضعاف الثقة بين الناس، وإفساد العلاقات التي يقوم عليها استقرار المجتمعات.
ولهذا كان خطر العدو الظاهر أهون من خطر من يختبئ خلف شعارات الخير؛ فالعدو المعروف تُعرف عداوته فيُحذر منه، أما صاحب الوجهين فإنه يُخفي مقاصده، ويؤثر في الناس من حيث لا يشعرون.
قال الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ).
ولو تأملنا كتاب الله عز وجل، ونظرنا إلى مطلع سورة البقرة، لوجدنا أمرًا يدعو إلى التفكر؛ فقد ذكر الله تعالى صفات المؤمنين في خمس آيات، ثم ذكر حال الكافرين في آيتين، ثم أفرد للمنافقين آيات كثيرة يذكر فيها صفاتهم وأحوالهم ويحذر المؤمنين من خطرهم.
وليس ذلك إلا لعظم هذا الداء وشدة أثره؛ فالمؤمن ينتفع بإيمانه، والكافر تُعرف عداوته، أما المنافق فإنه يندس بين الصفوف، وقد يكون من أسباب إضعاف الأمة من داخلها. ولهذا كان الصالحون من هذه الأمة، مع عظيم إيمانهم وكثرة أعمالهم، يخافون على أنفسهم من النفاق، ويحاسبون قلوبهم، ويسألون الله الثبات والإخلاص؛ لأن المؤمن الصادق كلما ازداد قربًا من الله ازداد خوفًا من التقصير، وحرصًا على سلامة قلبه.
وإذا كان النفاق خطرًا على الأمم، فإن علاج هذا الداء يبدأ بالتمسك بالقيم التي جاء بها الإسلام.
أحبتي الكرام…
إن أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى الصدق والإخلاص والوفاء وأداء الأمانات؛ وإلى رجال ونساء إذا تحدثوا صدقوا، وإذا وعدوا وفوا، وإذا اؤتمنوا أدوا، وإذا اختلفوا حفظوا أخلاقهم.
فلنحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب غيرنا، ولنفتش في قلوبنا قبل أن نفتش في قلوب الآخرين؛ فصلاح المجتمعات لا يبدأ بالشعارات، وإنما يبدأ بصلاح القلوب والأعمال؛ لأن قوة الأمة من قوة أخلاقها، وثباتها من صدق أبنائها، واستقرارها من حفظ الأمانة وانتشار الثقة بين أفرادها.
واعلموا…
إن المجتمعات لا تُبنى بالكلام الجميل وحده، وإنما تُبنى بالصدق والعمل والإخلاص والثبات على المبادئ. فإذا ضاعت هذه القيم، وحل محلها الكذب والخداع والتلون، ضعفت الروابط، وتباعدت القلوب، وأصبح المجتمع هشًّا من داخله مهما بدا قويًّا في ظاهره.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يطهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، وأن يجعلنا من أهل الصدق والإخلاص، إنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.