جل آغا / أمل محمد –في مشهد يعكس الإصرار والاعتماد على الذات، تواصل “سوسن حمي” ستين عاماً من مدينة كركي لكي عملها اليومي في جمع القش من الأراضي الزراعية، لتؤمّن مصدر رزق يعينها وأسرتها على مواجهة أعباء الحياة.
ومع ساعات الصباح الأولى، تتجه “سوسن حمي” إلى الحقول برفقة زوجة ابنها، حاملتين أدواتهما البسيطة، حيث تبدآن بجمع القش باستخدام مجراف مخصص لهذه المهمة، وتكوّنانه على شكل أكوام صغيرة قبل جمعه في كومة كبيرة داخل الأراضي الزراعية المجاورة، وذلك بعد الحصول على موافقة أصحابها.
مصدر رزق
وتقول سوسن بعد حديثها لصحيفتنا “روناهي” إنها تمارس هذا العمل منذ شبابها، مؤكدةً أن مهنة جمع القش وتحويله إلى تبن أصبحت جزءًا من حياتها اليومية في وقت الحصاد، وتوضح أن هذا العمل يوفر لها ولزوجة ابنها مصدر دخل يساعدهما على تأمين متطلبات المعيشة، مضيفة: “نعمل معاً كل يوم، وما نجنيه من بيع التبن يعيننا على توفير احتياجاتنا”.
وتشير إلى أنها كانت تمتهن هذا العمل منذ سنوات طويلة، عندما كانت تمتلك عدداً من الأبقار، إذ كانت تجمع القش وتحوله إلى تبن لاستخدامه علفاً لمواشيها أما اليوم وبعد أن لم تعد تمتلك أي ماشية، فقد أصبح جمع القش وبيع التبن في الأسواق مصدر رزقها الأساسي.
وبعد الانتهاء من جمع القش، تتواصل مع آلات زراعية متخصصة في طحن التبن، ليصبح جاهزاً للبيع في الأسواق المحلية، حيث يُستخدم علفاً للمواشي.
وتجسد “سوسن حمي” نموذجاً للكفاح والعمل الدؤوب، إذ تواصل أداء مهنتها رغم تقدمها في العمر، مؤكدةً أن الإرادة والعمل يبقيان السبيل الأمثل لتأمين لقمة العيش، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها كثير من الأسر.
وتوضح أنها تبدأ يومها في ساعات الصباح الباكر، قبل بزوغ أشعة الشمس الحارقة، لتتمكن من إنجاز أكبر قدر ممكن من العمل في الأجواء المعتدلة، وعندما تشتد حرارة الشمس تعود إلى منزلها للاستراحة، ثم تعاود التوجه إلى الحقول مع ساعات المساء قبيل غروب الشمس لاستكمال ما تبقى من العمل.
وتضيف أن التبن الذي تجمعه وتجهزه يُباع في السوق الحرة، مشيرة إلى أن أسعاره تختلف من مشترٍ إلى آخر تبعاً لحجم الطلب وتوافر الكميات، إلا أن عائد بيعه يشكل مصدر دخل يساعدها وأسرتها على تأمين متطلبات الحياة اليومية.
قصة كفاح بين الحقول
وتقول سوسن إنها تحرص خلال يوم العمل على اصطحاب مياه باردة وخبز طازج مع القليل من الخضار والشاي، لتتناولها مع زوجة ابنها خلال فترات الاستراحة بين ساعات العمل: “إن العمل يمنح الإنسان قيمة ويعزز شعوره بالاعتماد على النفس”.
متابعةً: “كثيراً ما يأتيني أصحاب أراض زراعية يطلبون مني جمع القش من أراضيهم مقابل أجر مالي”. مشيرةً إلى أنها نشأت في بيئة زراعية واعتادت منذ صغرها على ممارسة مختلف الأعمال المرتبطة بالأرض، وتضيف أنها تواصل هذه المهنة في كل صيف، مع انتهاء موسم الحصاد، حيث تستغل بقايا القش في الحقول لتحويلها إلى تبن وبيعه كمصدر رزق يعينها على تلبية احتياجاتها المعيشية.
وعن أبرز التحديات التي تواجهها، بينت “سوسن حمي” إن الحصول على أراضٍ زراعية لجمع القش بات من أصعب العقبات، موضحةً أن معظم أصحاب الأراضي يخصصون هذه المهمة لأقاربهم وأفراد عائلاتهم، الأمر الذي يقلل من فرصها في العثور على حقول تعمل فيها بعد انتهاء موسم الحصاد.
ورغم ذلك تؤكد أنها لا تزال تتمتع بعزيمة وهمّة كبيرتين تدفعانها إلى مواصلة البحث عن أراضٍ زراعية جديدة والعمل فيها، إيماناً منها بأن العمل هو السبيل لتأمين لقمة العيش والحفاظ على كرامة الإنسان.