الشرق الأوسط هو أحد أكثر المناطق التي شهدت منذ بداية القرن العشرين حروب التقاسم الإمبريالية، وبناء الدولة القومية، والصراعات القائمة على الهوية. وتقع “المسألة الكردية” في قلب هذه المعادلة، وهي ليست مجرد نضال شعب من أجل حق تقرير المصير، بل هي أيضاً مسألة ديمقراطية المنطقة، وبناء السلام، والعيش المشترك بين الشعوب على أساس المساواة.
وأعادت الخطوات العسكرية والدبلوماسية الأخيرة للولايات المتحدة في المنطقة إشعال النقاش حول حل هذه المسألة. ومع تسارع التوازنات الاستراتيجية في المنطقة بسبب “حرب الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران”. لم تعد “اتفاقيات أبراهام” مقتصرة على دول الخليج وإسرائيل فقط، بل امتدت إلى ممر الفرات – دجلة.
وتهدف الجولة الدبلوماسية الأخيرة للمبعوث الأمريكي للشرق الأوسط “توم باراك” أساساً إلى نقل “اتفاقيات أبراهام” إلى ممر بلاد ما بين النهرين. فقد تنقل توم باراك بين بغداد وهولير ودمشق. وتركزت أجندته على ثلاث نقاط:
في العراق: كسر تأثير “الهلال الشيعي” الإيراني. وتقليص ميزانية الحشد الشعبي ونفوذه داخل الجيش العراقي. وربط نفط البصرة بالشركات الأمريكية وصناديق الخليج.
فيما يخص المسألة الكردية، وهي القضية الملحة التي تنتظر الحل في الشرق الأوسط: إخراج الكرد من موقع الفاعل/الذات، وتحويلهم إلى قوة احتياطية لأنظمة المنطقة.
السؤال هنا: ما الخلفية التاريخية للمسألة الكردية، وما آثار سياسات الولايات المتحدة على المنطقة؟ ولماذا تمتنع الولايات المتحدة والقوى العالمية عن تناول مقترحات الحل القائمة على منظور “الأمة الديمقراطية” بشكل شامل، وبدلاً من ذلك تعقد تحالفات استراتيجية مع القوى الملكية والمهيمنة في المنطقة؟
وفي إطار اتفاقيات أبراهام، يرتبط هدف ضمان أمن إسرائيل بتطبيع العلاقات بين دول الخليج وإسرائيل، وبجعل العراق ممر عبور لخطوط الطاقة، وعلى رأسها خط الأردن – حيفا. وهذه هي جوهر مساومة “الاستثمار في البنية التحتية” التي طرحها توم باراك في بغداد.
في المسار السوري: الهدف هو فصل دمشق عن محور إيران – روسيا، وضمان الوجود الأمريكي شرق الفرات من خلال الشراكة مع الحكومة السورية المؤقتة.
ومن الواضح أن مساومة الأمن الأمريكي – الإسرائيلي حول سوريا، وملف لبنان – حزب الله، مرتبطان ببعضهما. وجولات توم باراك بين دمشق وهولير وبغداد هي دبلوماسية البحث عن “وكيل موثوق”.
إن “المندوب السامي” للولايات المتحدة يحاول نسج هذه الشبكة الدبلوماسية بهذه الطريقة. ولأجل ضمان الحزمة الأمنية الإسرائيلية والسلامة الاستراتيجية لممرات الطاقة، لماذا يتم إخراج الكرد من موقع الفاعل ويُنظر إليهم قوة احتياطية للتحالفات الجيوسياسية؟
الخلفية التاريخية: من سايكس – بيكو إلى لوزان، بناء الدول وحالة انعدام المكانة للكرد:
شكل اتفاق سايكس – بيكو 1916 ومعاهدة لوزان 1923 أساس تقسيم الشرق الأوسط إلى دول قومية مصطنعة. وفي هذه العملية وُجد الكرد في حالة من انعدام المكانة المُجزأة بأربعة أجزاء، بعد تقسيمهم بين إيران والعراق وسوريا وتركيا.
وجاء مفهوم الدولة القومية القائم على “أمة واحدة، دولة واحدة، لغة واحدة” بسياسات أنكرت بشكل منهجي لغة الكرد وثقافتهم وحقوقهم السياسية. وتمثلت أشكال سياسة الإنكار هذه في: سياسات الاستيعاب والتركيب القسري في تركيا منذ عشرينات القرن الماضي؛ ومجزرة الأنفال والهجمات بالأسلحة الكيميائية في العراق؛ وسحب الجنسية ومشروع “الحزام العربي” في سوريا؛ والضغوط الثقافية في إيران. ونتيجة لذلك؛ تحولت المسألة الكردية من كونها مجرد مسألة عرقية إلى مسألة عدم اعتبار الدولة لمواطنيها على قدم المساواة، وعدم اعترافها بالاختلافات، ورفضها للديمقراطية.
سياسة الولايات المتحدة والقوى العالمية في الشرق الأوسط وعلاقتها بالكرد: الشفرات نفسها منذ قرن، من الشراكة الاستراتيجية إلى المساومة الجيوسياسية. خلال الحرب الباردة قدمت الولايات المتحدة دعماً غير مباشر أحياناً للحركات الكردية في إطار تحالفاتها مع دول المنطقة ضد الاتحاد السوفيتي. وبعد حرب الخليج 1991، فتحت “منطقة حظر الطيران” في باشور كردستان “شمال العراق” الطريق أمام الحكم الذاتي الفعلي لإقليم كردستان. وبعد احتلال العراق 2003، حصل الإقليم على مكانة دستورية وأصبح مكوّناً مؤسساً للعراق الفيدرالي.
ومع صعود داعش 2014 والمقاومة في روج آفا، بدأت مرحلة جديدة من التعاون التكتيكي بين الولايات المتحدة وإدارة شمال وشرق سوريا الذاتية. وبرزت وحدات حماية المرأة ووحدات حماية الشعب YPG/YPJ كقوة برية في مواجهة داعش، بينما قدمت الولايات المتحدة الدعم الجوي واللوجستي. لكن؛ هذه السياسة لم تُلغِ التحالف الاستراتيجي للولايات المتحدة مع تركيا. فقد أعطت واشنطن الأولوية للعلاقات التكتيكية مع الكرد على أساس التوازنات الجيوسياسية، دون أن تمس بعلاقاتها مع أنقرة. وعرفت البنية الذاتية في روج آفا بأنها “مؤقتة” و”محدودة بمحاربة داعش”، ولم تدعم بشكل علني مطلب الكرد بالدعم السياسي.
هذا الموقف المتناقض يكشف عن الاستراتيجية الأساسية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط: ضمان الاستقرار في المنطقة، والحد من نفوذ إيران، وضمان أمن إسرائيل. وفي هذه الاستراتيجية يُنظر إلى الكرد كـ “حليف نافع” لكن لا يُعترف بهم كفاعل سياسي مستقل. ولم تتبع الولايات المتحدة سياسة واضحة بشأن حماية المكتسبات السياسية للكرد، رغم ردودها المحدودة على العمليات العدوانية التركية ضد روج آفا.
من المعروف أن سبب المشاكل السياسية الأساسية في الشرق الأوسط هو مفهوم الدولة القومية. وتريد الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة إبقاء مشاكل الدولة القومية للقرن العشرين حية في القرن الحادي والعشرين دون المساس بالخرائط التي رُسمت بعد الحرب العالمية الأولى. وهي توجه خارطة الطريق الاستراتيجية للقرن الحادي والعشرين مع إبقاء التناقضات والصراعات العرقية والدينية والمذهبية ضمن أجندتها التكتيكية.
منظور الحل: الأمة الديمقراطية، الكونفدرالية الديمقراطية، والعيش المشترك للشعوب:
لا يمكن حل المسألة الكردية إلا بالتقاطع مع نموذج الإنكار والاستيعاب للدولة القومية، ومن خلال منظور “الأمة الديمقراطية” و”الكونفدرالية الديمقراطية”. ويدافع هذا النهج عن حق الكرد في تقرير المصير، ولكن داخل حدود الدول القائمة، وعلى أساس اندماج ديمقراطي والعيش المشترك للشعوب على أساس المساواة والطوعية. وتتمثل مبادئه الأساسية فيما يلي:
أ. الحكم الذاتي الديمقراطي والإدارات المحلية:
في مقابل السلطة المطلقة للدولة المركزية، حق الشعوب المحلية في إدارة نفسها بنفسها. الحكم الذاتي في التعليم والثقافة واللغة والاقتصاد المحلي، مع التنسيق مع الدولة المركزية في مجالات مثل الدفاع والسياسة الخارجية والعملة.
ب. التعددية الثقافية والمواطنة المتساوية:
التخلي عن البنية الأحادية الاستيعابية للأيديولوجية الرسمية للدولة. وضمان دستوري للغة الكردية، والاعتراف بمختلف الهويات والمعتقدات على أساس المواطنة المتساوية.
ج. الكونفدرالية الديمقراطية:
اتحاد شعوب الشرق الأوسط ضمن كونفدرالية ديمقراطية تتجاوز الحدود. هذا النموذج لا يلغي حدود الدول القومية، بل يتنبأ بأن تؤس الشعوب إداراتها المحلية وتتحد تحت مظلة كونفدرالية ديمقراطية على مستوى أعلى.
د. حرية المرأة والمجتمع الإيكولوجي:
أحد الأركان الأساسية للحل الديمقراطي هو تصفية النظام الأبوي وتمثيل المرأة بالتساوي في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وكذلك بناء مجتمع إيكولوجي في مواجهة الدمار الإيكولوجي للحداثة الرأسمالية. هذا المنظور لا يخص الكرد وحدهم، بل يشمل العرب والتركمان والسريان والأرمن وجميع شعوب المنطقة؛ لأن المشكلة ليست في إقامة الكرد لدولة، بل في منح الدولة حق المواطنة المتساوية لجميع الشعوب.
إن سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تتشكل على أساس المصالح الاستراتيجية. ولا مكان في المصالح الاستراتيجية الأمريكية لقضايا الديمقراطية وحقوق العرق والدين والمذهب. لكن؛ المصالح الاستراتيجية لا يمكن أن تكون دائمة إلا مع شرق أوسط ديمقراطي. وعلى الولايات المتحدة ألا تحصر تحالفها مع الكرد بمحاربة داعش فقط، وأن تعترف بالبنية الذاتية الديمقراطية في روج آفا، وأن تدفع تركيا نحو حل ديمقراطي للمسألة الكردية.
أما بالنسبة لتركيا، فقد أصبح واضحاً أن المسألة الكردية لا يمكن حلها بالوسائل العسكرية. فالصراعات المستمرة منذ سنوات عمّقت المسألة الكردية وزادت من عدم الاستقرار في المنطقة. والحل الديمقراطي يعني ديمقراطية تركيا وتأسيس دولة القانون الديمقراطية وتمتع جميع المواطنين بحق المواطنة المتساوية.
ومن الضروري أن تتبنى إيران والعراق وسوريا هذا المنظور الديمقراطي كشرط أساسي للاستقرار والسلام في المنطقة. ويمكن تحقيق حق الشعوب في تقرير المصير وحل الدول القومية لمشاكلها الداخلية من خلال الاندماج الديمقراطي، على أساس الكونفدرالية الديمقراطية.
النتيجة: لا سلام إلا بحل ديمقراطي
المسألة الكردية هي مسألة ديمقراطية الشرق الأوسط. وحلها يكمن في تخلي الدولة القومية عن سياسات الإنكار والاستيعاب، واعتماد نموذج ديمقراطي يضمن عيش الشعوب معاً على أساس المساواة والطوعية. ودعم الولايات المتحدة والقوى الإقليمية لهذا المنظور الديمقراطي سيفتح الطريق أمام سلام واستقرار دائمين في الشرق الأوسط.
لقد أثبت التاريخ أن سياسات الإنكار والإبادة لا تنتج حلولاً دائمة. إن منظور الأمة الديمقراطية والكونفدرالية الديمقراطية هو طريق السلام والعدالة والمساواة لشعوب الشرق الأوسط. وهذا الطريق لن يكون ممكناً إلا بالاعتراف بالإرادة الديمقراطية لجميع الشعوب.