بانتهاء الحروب، تبادر الأمم إلى إعادة الإعمار وترميم البنيان، ولا تتجاهلُ تصدع العقول التي أُسرت في العتمة، فالحروب تطحن البنية المعرفيّة لأجيال وتحرمها حقَّها الطبيعيّ في التطور المعرفيّ والوجدانيّ، والقول إنّ “قطار التعليم قد فاتهم” لتجاوزهم السن المدرسيّ ينطوي على إقصاء وحكم جائر بالجهل لا يراعي الظروف القاهرة، ما يطرحُ السؤالَ الجوهريّ: كيف تُوصف سياسات بـ”العدالة” وهي تغلقُ الأبوابَ أمام ضحايا الحروب والمنقطعين وكبار السن، وتبقيهم في قاع الأميّة الوظيفيّة؟ ولذلك تصبح “الأندراغوجيا” أو تعليم البالغين قناة لاستعادة الحق المسلوب وتحقيق العدالة التعليميّة.
الأندراغوجيا واستعادة الحق المسلوب
يسير نظام التعليم الطبيعيّ في ظروف السلم والاستقرار وفق مسار مستقر ومبرمج، مستهدفاً تعليم النشء وتوجيه مداركهم الفطريّة، وهو ما يُعرف بـ “البيداغوجيا Pedagogy” باعتباره حقاً طبيعيّاً أصيلاً تضمنه القوانين الدوليّة ومواثيق حقوق الإنسان. إلا أنّ اندلاع الحروب، والأزمات الكبرى، وظروف الفوضى وفقدان الأمن، يؤدي مباشرة إلى إغلاق المدارس، بل وتدميرها بسبب تحولها إلى مقرات عسكريّة أو مراكز إيواء للنازحين والمهجرين. ومع توقف العملية التعليميّة بالكامل واستمرار الحرب لسنوات، تُحرمُ فئاتٌ عمريّة معينة من الدراسة وتكبر على وقع القصف والاشتباكات خارج مظلة هذا الحق الطبيعيّ.
وهنا، تبرز “الأندراغوجيا Andragogy” باعتبارها عملية تستهدف تعليم الكبار والبالغين كبديلٍ اضطراريّ تعويضيّ يهدف إلى تحقيق عدالة التعليم واستعادة ذلك الحق المسلوب الذي ضيّعته سنوات النزاع. وتنطلق هذه الفلسفة من مبدأ أنّ التعليم حقٌّ إنسانيّ لا يقيّده سقفٌ زمنيّ، وأنّ استعادة ودمج المنقطعين وكبار السن له أبعاد إيجابيّة هائلة تساهم في إحياء طاقاتهم وتوجيهها نحو البناء.
إلا أنّ تقييد الكبار والبالغين وإلزامهم بمناهج مدرسيّة تقليديّة مخصصة لليافعين ينطوي على تجاهل تام للعوامل النفسيّة والخصائص العمريّة، كما يؤدي إلى إعادة فرض مضامين تعليميّة ربما كانت هي ذاتها السبب الأساسي في تقصير التلاميذ وفشلهم في دراستهم سابقاً، ما يكرس التشوه البنيويّ الحاصل في منظومة التعليم ككل. فالكبير يتكئ على خزانٍ هائلٍ من المفاهيم والمشاهدات اليوميّة، وخوض معارك البقاء أكسبه ذكاءً تحليليّاً ونضجاً عقليّاً يتجاوز بكثير آلية التلقين الصفيّ الجامدة، ويجعل من الضروريّ تصميم أوعية معرفيّة تحترم هذا الفارق وتستوعب الاختلاف الإيجابيّ بين الأجيال.
تفكيك عسكرة المجتمع
يفرضُ تشريحُ الواقع الاستثنائيّ والمرير الذي خلّفته الحرب في سوريا عدمَ تجاوز الحديث عن الأندراغوجيا وعدالة التعليم؛ إذ تسببت سنواتُ الصراع الطويلة وفقدان الأمن والاستقرار بشللٍ شبه كامل للعملية التعليميّة، وشهدت البلاد ارتفاعاً مخيفاً في معدلات التسرّبِ الدراسيّ بالمرحلة الأولى، وتدميرَ مئاتِ المدارس أو تحولها إلى مقرات عسكريّة ومراكز إيواء للمهجرين، وسط نقص حاد في الكوادر المؤهلة وتعدد المناهج وتشتتها. والأطفال الذين كانوا في أولى الصفوف الدراسيّة مع بداية الأزمة وحُرموا من أبسط حقوق التعليم، تجاوزوا سن الخامسة والعشرين يوم سقوط النظام السابق، والعديد منهم قادته الظروف لحملِ السلاح أو انخرط مبكراً في سوق العمل الشاق لتأمين مصدر دخل لعائلته.
يجب أن تستهدفُ أيّ خطة جادة لإعادة الإعمار وترميم ما دمّرته الحربُ “الإنسانَ قبل البنيان”، كردِّ اعتبارٍ وإعادة حق طبيعيّ ضيّعته سنواتُ الأزمة، ومحاربةٍ للأميّةِ الوظيفيّة وإصلاحٍ للثقافة العامة التي شهدت انتكاسة غير مسبوقة. وفتحُ هذا المجال يمثل بالوقت نفسه استجابةً لطموحات حقيقيّة لأفراد من المنقطعين عن الدراسة وكبار السن الذين رفضوا الاستسلام لليأس أو اتخاذ قرار التوقف النهائيّ عن الدراسة. كما ينطوي تعليم الكبار هنا على فكرة إعادة دمج ضمنيّة في الإطار المجتمعيّ، واستثمار طاقات الأفراد، عبر التحول من عقليّة “مجتمع العسكرة” التي فرضتها ظروف السلاح، إلى إعادة تأهيل المجتمع عبر عقليّة البناء السلميّ والمعرفيّ.
ففي عالم اليوم، حيث تتراجع المهن الحرفيّة واليدويّة التقليديّة لصالح طوفانِ التقنيات والمعلومات، يغدو تمكين البالغين تعليماً طوقَ نجاة وسبيلاً لتحسين مستوياتهم المعيشية، وجسراً ضروريّاً لردم الهوة المعرفيّة السحيقة بين أبناء المجتمع الواحد.
الاستثمار والإنتاجيّة بدل الهدر
يكتسبُ كلّ مشروع قيمته وضرورته من خلالِ الجدوى كحصيلةٍ نهائيّة، وتبلغ الجدوى أقصى حدودها عندما يكون المشروعُ وطنيّاً متعددَ المكاسب، وتضمن عملية تعليم الكبار تحققَ ذلك؛ فمن حيث المنطلق، تبدو العملية غير مكلفة ماديّاً بالنظر إلى حجم الفوائد الكبرى المتوخاة منها مستقبلاً، إذ إنَّ الأموال التي تُنفق على بناء جدران إسمنتيّة أو استيراد مواد استهلاكيّة لا تضاهي العائد الاستثماري المتولد عن تعليم الكبار. بل تبلغ العملية حداً من المرونة أنها لا تتطلب بالضرورة بناء منشآت تعليميّة جديدة كلياً، بل يمكن استغلال البنية التحتيّة القائمة والمؤسسات العامة والجمعيات الأهليّة لتكون مراكز إشعاع معرفيّ في أوقاتٍ محددةٍ. والتكلفة التشغيليّة لإدارة هذا الامتحان والتدريب المرتبط به تُعد ضئيلة جداً إذا ما قورنت بالخسائر الاقتصاديّة الفادحة الناتجة عن بقاء فئات واسعة من الشباب والمنقطعين عن الدراسة في قاع الجهل الوظيفيّ والتهميش العمليّ.
ويتجلى العائد الحقيقيّ برفدِ سوقِ العمل بمتعلمين وكوادر مؤهّلة معرفيّاً، ما ينعكسُ مباشرةً على زيادة الإنتاجيّة وتحسين جودةِ الأداء في مختلف القطاعات. فالعامل أو المزارع أو الحرفيّ، الذي يتجاوز محو الأمية ويمتلك مهارات القراءة والكتابة والحساب الوظيفيّ والوعي الاقتصاديّ يصبح أكثر قدرة على فهم التقنيات الحديثة وإدارة مشروعه بوعي علميّ؛ وهذا التحوّل يقللُ من نسبِ الهدر ويرفع كفاءة السوق المحليّ، ما يحوّل هؤلاء الأفراد من عبء اقتصاديّ تفرضه ظروف البطالة إلى محركاتِ دفعٍ حقيقيّة تساهم في النمو والتعافي الذاتيّ للمجتمع والبلاد.
التشاركيّة المؤسساتيّة وتعبئة الكوادر التعليميّة
يتطلب تطبيق هذه الرؤية على أرض الواقع إطاراً مؤسساتيّاً موسّعاً يعتمد على التنسيق والتعاون الوثيق بين الجهات الحكوميّة والمنظمات المجتمعيّة والجمعيات الأهليّة في إطار خطة وطنيّة شاملة وممنهجة؛ فالعملية ليست مسؤوليّة وزارة بمفردها، بل هي ورشة عمل وطنيّة كبرى تجمع طاقات الدولة والمجتمع المدنيّ معاً. وفي هذا السياق، يمكن تنظيم دورات تعليميّة وتدريبيّة مرنة ضمن المؤسسات والدوائر المختلفة للعاملين فيها من كبار السن والمنقطعين عن الدراسة، ما يسهّل عليهم التوفيق بين واجباتهم الوظيفيّة وطموحاتهم العلميّة، ويضمن تذويب المعوقات البيروقراطيّة ويسرّع من وتيرة تنفيذ المبادرة في مختلف المحافظات والمناطق المتضررة.
هذا التوسع المؤسساتيّ والتنظيميّ يفرض في المقابل ضرورة تأمين وتدريب عدد كبير من الكوادر التعليميّة المؤهلة القادرة على استيعاب الفروق النفسيّة بين البيداغوجيا والأندراغوجيا؛ والمعلم هنا ليس ملقّناً لطفل، بل هو ميّسر ومحاورٌ لشخصٍ ناضج يملك تجارب حياتية ثرية. ويحمل هذا التحدي في طياته فرصة ذهبيّة لامتصاص البطالة بين خريجي الجامعات والمعاهد من جيل الشباب، وتشغيل الكفاءات المعطّلة عبر إشراكهم في هذه المبادرة كمعلمين ومدرّبين بعد خضوعهم لدورات تأهيليّة سريعة ومكثفة؛ وبذلك تحقق الخطة هدفين بآن واحدٍ: تفتح آفاق العمل للشباب الخريجين، وتمنح المنقطعين وكبار السن فرصة التعلم على أيدي كفاءات وطنيّة واعية ومتحمسة، على أن يكون الامتحان النهائيّ الموحّد على مستوى البلاد هو الحكم الفيصل والوحيد على النتائج، ليخضع الجميع دون تمييزٍ جندريّ لمعايير تقييميّة موحّدة وصارمة تضمن نزاهة الشهادة الممنوحة وقيمتها الأكاديميّة.
نماذج لمأسسة الشفاء التعليميّ بالعالم
أدركت دولٌ عديدة خطورة الأمية المعرفيّة والوظيفيّة، فأوجدت نماذج رائدة استطاعت تفكيك القوالب المصمتة للمنظومة التقليديّة لصالح علم تعليم البالغين، لتثبت عمليّاً أنّ تصفير الأمية لا يتطلب حشر الكبار والمنقطعين في صفوف اليافعين، بل يتطلب مرونة تؤمن بأن عقل البالغ يمتلك أدوات فهم وربط تتجاوز آليات الحفظ التلقينيّ للمراهقين.
تتيح المدارس الشعبيّة العليا في السويد للبالغين والمنقطعين العودة للتعليم دون شروط مسبقة أو امتحانات مرسبة، بل تمنحهم حق التأهيل الجامعيّ بناءً على نضجهم وتفاعلهم الجماعيّ. وفي النرويج، شُرِّعَ قانون خاص لتعليم البالغين يمنح من فاته قطار المدرسة حقاً دستوريّاً مجانيّاً لإتمام التعليم الإعداديّ والثانويّ عبر برامج مرنة تتوافق تماماً مع التزاماتهم العائليّة والمهنيّة وتقدم تقييماً وظيفيّاً يبتعد عن التعقيد الحفظيّ. وفي النموذجِ البريطانيّ للجامعة المفتوحة يُعفى الكبار والمنقطعين من شروط الشهادات الثانويّة، وفق مبدأ إتاحة الفرص المتساوية لكلّ من يملك القدرة على التحليل المنطقيّ والبحث المستقل.
تعتمد ألمانيا قانون تعزيز التعليم المهني وتوفير فرص التعليم المستمر للبالغين، معتمدة على مبادئ تنظيمية مرنة، ويتم تنفيذ البرامج بالتعاون مع المعهد الألمانيّ لتعليم الكبار بالاشتراك مع مؤسسة التعاون الدولي للجمعية الألمانيّة لتعليم الكبار، وتستخدم منهجيات معتمدة دوليّاً لتوحيد وتطوير كفاءات ميسري ومدربي الكبار.
يُعرف النموذج الأمريكي بأنّه قانون الفرص والابتكار وأُسس بقانون تعليم الكبار الفيدراليّ، والذي جرى تحديثه ودمجه ضمن قانون القوى العاملة (WIOA)، وتشرف وزارة التعليم الأمريكيّة على تمويل الولايات وإدارة المراكز المحليّة، ويربط النموذج بين تعليم الكبار وتطوير المهارات المهنيّة والاندماج بسوق العمل. وتعتمد في عدة ولايات برامج التعليم المستمر للبالغين تقوم على فحصِ كفاءةٍ وطنيّ شامل يقيس النضج الفكريّ والمعرفيّ العام للمتقدم، ويمنحه فور اجتيازه شهادة تعادل الثانوية العامة تماماً لفتح أبواب التعليم العالي والتوظيف المتقدم. وفي كوبا، تلزم الدولة بتوفير التعليم الشعبيّ المجاني مدى الحياة لجميع الفئات عبر نصوص دستورية صارمة تركز على التعليم التشاركيّ وحل المشكلات المجتمعيّة.
عربياً، صدرت في تونس قوانين تشريعية منذ خطة إصلاح التعليم (1958) لتشمل التعليم المستمر للكبار بالتنسيق بين وزارتي الشؤون الاجتماعية والتربية ومؤسسات المجتمع المدنيّ. وفي المغرب، تقود الوكالة الوطنيّة لمحاربة الأمية (ANLCA) سياسات وطنيّة لدمج برامج التربية غير النظامية ضمن استراتيجيات التعليم مدى الحياة وتطوير مناهجه.
هندسة المناهج ومواجهة التلقين والأدلجة
إسقاطُ التجارب الدوليّة على الواقعِ السوريّ يتطلبُ شجاعة في إعادة هيكلة الامتحان الخاص بكبار السن والمنقطعين، ليركز على الأدوات الوظيفيّة التي يحتاجها البالغ في سوق العمل والحياة اليوميّة. ويجب أن تظلَّ اللغة الأم العمودَ الفقريّ والمادة المرسبة لضمان سلامة الفكر واللسان، مع استبدال قوالب الإنشاء البدائيّة بالتحليل النقديّ والمقالي الذي يعكس وعي المتقدم وثقافته المتراكمة. وبالمثل، ينبغي تجريد الرياضيات والعلوم من نظرياتها المعقّدة لصالح الحساب الماليّ اليوميّ، ومبادئ البيولوجيا والجيولوجيا الحياتيّة، واستحداث مادة المعارف العامة التي ترفع الوعي بالقطاعات الإنتاجيّة المحليّة كالزراعة والصناعة والتجارة لتتكامل المعرفة مع حركة السوق وتتحول إلى قيمةٍ مضافةٍ مباشرة في الاقتصاد الوطنيّ.
ويمثل تصميم مسار خاص لتعليم الكبار والمنقطعين فرصة ذهبيّة وتجربة فعليّة لإعادة النظر الشاملة في المنظومة التعليميّة بأكملها، عبر حذف الحشو الزائد ووضع مناهج أكثر مرونة وعمليّة تتناسب مع متطلبات العصر المعرفيّ. ولا يحتاج البالغ لحشد ذاكرته بمعادلات مجرّدة لن يستخدمها في مساره الأدبيّ المستقبلي، بل تدريبه على صياغة أفكاره وتحليل المشكلات؛ وبذلك تفتح هذه المبادرة الأبواب المغلقة أمام كلّ من فاته قطار التعليم وتصنع حافزاً حقيقيّاً لكسر حاجز الخوف والتقدم نحو المستقبل.
هذه الخطوة يجب أن تترافقَ مع مراجعة نقديّة واعية لواقع المناهج التعليميّة الحالية؛ إذ تعاني هذه المناهج تاريخيّاً من زيادة جرعة التلقين الجاف والأدلجة الفكريّة الموجّهة التي تثقل عقل الطالب دون تزويده بمهارات التفكير النقديّ الحر.
ترميم الوعي المجتمعيّ
تتجاوز فوائد الأندراغوجيا البعد الأكاديميّ الصرف، لتطالَ البنيةَ النفسيّة والاجتماعيّة للمجتمعِ المأزوم؛ إذ يمثل فتح المدارس والجامعات لكبار السن والمنقطعين ترياقاً لبلادة المشاعر وموت التعاطف التي خلفتها الحروب في تفاصيل اليوميات. كما يساهم انخراط البالغين في مشروع معرفيّ ناضج بتخليصهم من مشاعر العجز وعقدة الدونيّة، وينقلهم من مربعِ الاستسلامِ للواقع إلى الفاعليّة والإنتاج الفكريّ الواثق. والعقل الذي يتعلم ويتأمل يتحصّن تلقائيّاً ضد ابتذال التفاهة، وداء الاختلاف الوهميّ، والاستعراض المالي؛ وبذلك يتحول التعليم المستمر إلى أداةِ ترميمٍ وطنيّةٍ تصهر الهزائم الفرديّة المنعزلة وتحوّلها إلى انتصار جماعيّ للوعي والنقاء والأمل بالنهوض.
العملية ستسهم بضخّ جداول ثقافيّة نقية بدل خطابِ الكراهية، وتجعلُ البالغَ يعيد ترتيب سلمَ الأولويات داخل الأسرة بالدرجة الأولى، متحرراً من أسر القيم الاستهلاكيّة المفرغة قيميّاً ليصبحَ الأب المتعلم قدوةً حيّة لأبنائه وأحفاده، ويتلاشى تدريجيّاً التباعدُ الفكريّ المزعج بين الأجيال.
إنّ انتشال إنسانٍ واحد من الأميّة الثقافيّة يوازي بناء مؤسسة كاملة لترميم الوعي، لأنّه يقود محيطه برؤيةٍ نقديّةٍ ترفضُ الابتذال وتتلمس مواضعَ التعاون، ما يسهم مباشرة في تذويبِ الكتل الطبقيّة والنفسيّة الباردة التي فرضتها الأزماتُ على النفوسِ المتعبة.
وتظل حكاية البحث عن المعرفة في الأحياء المنسية المحكَّ الحقيقيّ لعُمقِ أيّ أمة وضمانة استمرارها الحضاريّ؛ فالأوطان لا تنهض بنظارات السيرك العالميّ أو ألعاب ناريّة تتلاشى في الهواء، بل بعقول أبنائها عندما تُحترم تجاعيد خبرتهم ويُصان حقهم في التطور الفكريّ دون تقييد عمريّ جائر.
ويشكّل إطلاق عملية تعليم كبار السن والمنقطعين مبادرة وطنيّة، والخطوة الأولى لتصفير الأمية وترميم الروح المنهكة، ليعودَ من طحنته الظروفُ طالباً ومفكراً وقائداً لوعي جديدٍ، يثبت لنفسه ولمحيطه أنّ النجاة والشفاء ممكنان دائماً، ما دام في الجسدِ نبضٌ وفي النفسِ رغبةٌ لا تنطفئ جذوتها لمواجهة العتمة بنور المعرفة.